فصيح التنظير أخرس التطبيق
adminaswan
16 مايو، 2026
منوعات
5 زيارة

بقلم الدكتور : محمد القاسم
لم تعد أزمة كثير من الناس اليوم في قلة المعرفة، بل في تضخم الكلام حتى صار بديلا عن الفعل. أصبح الإنسان قادرا على تحليل الأزمات السياسية والاجتماعية والتربوية والدعوية في دقائق، لكنه يعجز عن إصلاح عادة صغيرة في حياته تستنزفه كل يوم.
يكتب عن الانضباط وهو غارق في الفوضى، ويتحدث عن النهضة وهو عاجز عن إدارة يومه، وينتقد ضعف الأمة بينما يضيف إلى ضعفها كل يوم كسلا جديدا وتبريرا جديدا.
لقد صنعت البيئة الحديثة إنسانا خطابيا يعيش داخل اللغة أكثر مما يعيش داخل الواقع. يشعر بالإنجاز لأنه عبّر، ويظن أنه أدى رسالته لأنه علّق وناقش وشارك منشورا مؤثرا.
ومع تكرار هذا السلوك تتكون حالة نفسية خطيرة يصبح فيها الكلام نفسه نوعا من التعويض عن العجز. فالإنسان حين يفشل في الفعل يبحث غالبا عن صورة ذهنية تريحه، ولا شيء يمنحه هذه الصورة أسرع من الخطاب المرتفع والمواقف المعلنة.
وفي زمن المنصات الرقمية تضاعفت هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة. صار من السهل أن يبدو الإنسان واعيا ومثقفا ومهتما بقضايا الأمة وهو جالس خلف شاشة لا يتحمل أي تكلفة حقيقية.
إعادة النشر أصبحت عند بعض الناس بديلا عن التضحية، والتفاعل صار بديلا عن البناء، والحديث عن الإصلاح صار أهم من الإصلاح نفسه. ولهذا لم يعد غريبا أن تجد مجتمعات مليئة بالمحللين والخبراء والخطباء، لكنها فقيرة في الإنجاز والانضباط والإتقان.
والمشكلة الأعمق أن بعض الناس خلطوا بين امتلاك الموقف وتحمل تبعاته. فليس كل من تكلم عن الحق مستعدا لدفع ثمنه، وليس كل من هاجم الخطأ قادرا على مقاومته داخل نفسه. ولهذا تتسع الفجوة بين الوعي والإرادة. الناس تعرف كثيرا، لكنها لا تتحرك كثيرا. تسمع عن قيمة الوقت ثم تضيعه، وتقرأ عن خطورة الذنوب ثم تعود إليها، وتدرك أهمية العلم والعمل ثم تستسلم للراحة والتسويف.
ولذلك جاء التحذير القرآني شديدا وصريحا في هذه القضية، فقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3].
فالآية لا تنتقد مجرد الخطأ البشري العابر، بل تفضح حالة الانفصال بين الخطاب والسلوك، حين يتحول الكلام إلى قناع أخلاقي يخفي وراءه عجزا أو تناقضا أو استعراضا فارغا.
إن الإنسان المعاصر يعيش في بيئة تغذّي الإشباع الفوري وتقتل الصبر الطويل. يريد نتائج سريعة بلا معاناة، وصورة ناجحة بلا جهد متراكم. بينما التطبيق الحقيقي يحتاج تكرارا وصبرا واحتمال فشل واستعدادا لتحمل الملل والألم. ولهذا يهرب كثيرون إلى التنظير، لأن الكلام يمنحهم شعورا فوريا بالقيمة دون أن يطالبهم بتغيير حقيقي.
وهنا تظهر أزمة أخرى داخل بعض البيئات الدعوية والثقافية. فبعض الخطابات تكدس المشاعر والمعارف لكنها لا تبني إنسانا منضبطا. يسمع المرء عشرات المواعظ عن الأخلاق والإيمان والإصلاح، لكنه لا يخرج بخطة عملية تغير سلوكه. يتحول الدين أحيانا عند بعض الناس إلى هوية لفظية أكثر منه مشروع تزكية وعمل.
ومن أخطر ما ورد في هذا الباب ذلك المشهد المرعب الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: {يجاءُ بالرجُلِ يَوْمَ القيامَةِ فيُلْقَى في النارِ ، فتَنْذَلِقُ أقتابُهُ ، فيدورُ بها في النارِ ، كما يدورُ الحمارُ برحاهُ ، فيُطِيفُ بِهِ أهلُ النارِ ، فيقولونَ : يا فلانُ !
ما أصابَكَ ؟
ألم تكنْ تأمرُنا بالمعروفِ وتنهانا عنِ المنكَرِ ؟
فيقولُ : بلَى ، قَدْ كنتُ آمرُكُم بالمعروفِ ولَا آتِيهِ ، وأنهاكُم عَنِ المنكَرِ وآتِيهِ}.
البخاري (3267)، ومسلم (2989).
والحديث لا يهاجم الدعوة إلى الخير، بل يفضح الانهيار الداخلي الذي يجعل الإنسان يبني صورته أمام الناس بينما يهمل إصلاح نفسه. فالكارثة ليست في وجود الخطأ، بل في التعايش معه حتى يصبح الخطاب منفصلا تماما عن الحقيقة.
كما أن الاستعراض المعرفي صار مرضا خفيا عند كثير من الناس. بعضهم لا يطلب المعرفة ليعمل بها، بل ليبني صورة ذهنية متفوقة عن نفسه. يستهلك الكتب والمقاطع والنقاشات ليشعر أنه أفضل فهما من غيره، لا ليصبح أفضل سلوكا وإنتاجا. ولهذا نرى أحيانا إنسانا يتحدث ساعات عن التربية وهو عاجز عن إدارة بيته، أو يناقش قضايا النهضة بينما لا يحترم موعدا ولا ينجز عملا بإتقان.
والحقيقة التي يهرب منها كثيرون أن الأمم لا تنهض بوفرة الكلام، بل بوفرة الناس الذين يحولون الأفكار إلى عادات، والقيم إلى التزام يومي، والمبادئ إلى سلوك يمكن رؤيته لا سماعه فقط.
فالعالم لا يحتاج مزيدا من المتحدثين بقدر ما يحتاج إلى نماذج صادقة تثبت أن القيم يمكن أن تعاش لا أن تشرح فقط.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ضعف المعرفة، بل اعتياد الوهم الذي يجعل الإنسان يظن أن الكلام إنجاز. فالكلمات قد تثير العقول لحظات، لكن الذي يغيّر التاريخ حقا هو الإنسان الذي يملك شجاعة التطبيق حين يصبح التطبيق مكلفا.