بين التوحيد والتنطع : فهم مغلوط لمقام النبوة والرسالة
adminaswan
5 مايو، 2026
منوعات
7 زيارة

هناك شرذمة من نوابت العصر، ويزعم هؤلاء المبطلون المبتدعون من أهل الضلال (الوهابية والمتسلفة)، لو حضروا مقام سيدنا أبي بكر الصديق وهو يقول: «تركتُ لهم الله ورسوله»، لرموه بالشرك باسم التوحيد، ولزعموا بجهلهم وجوب الاقتصار على لفظ الجلالة وحده؛ وكأنهم أحرصُ على العقيدة من “أوحد” الأمة إيماناً، أو أعلم بمقاصد التوحيد من حضرة النبي ﷺ الذي أقرَّ العبارة ولم ينكرها، ولم يقل له: «يا أبا بكر، هذا خاص بحياتي ولا يجوز بعد مماتي» كما يزعم هؤلاء المبطلون المبتدعون الذين يحجرون واسع فضل الله بجهلهم وتشددهم؛ غافلين عن حقيقة إيمانية كبرى وهي أن رتبة النبوة لا تُنتزع بالموت، فمنصب النبوة قائم ومستمر، وعلاقة الأمة بنبيها لا تنقطع بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فهما ركنا الإسلام الأعظم المتلازمان، وفصل أحدهما عن الآخر بدعوى موته ﷺ هو تقوّلٌ على الله ورسوله، وانتقاصٌ من حضرة الجناب النبوي، وزعمٌ بأنه مات وانتهى أمره ولا ينفع ولا يضر بإذن الله، وهذا مسلكٌ قد يوصل صاحبه إلى الزندقة، وما أمر “ذي الخويصرة” ببعيد.
إن الاعتراض على “واو” المعية في حق الرسول ﷺ هو جهلٌ بمحكم القرآن الذي جمع بينه وبين ربه في مواضع شتى؛ ففي مقام الفضل والإغناء قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وفي مقام الرضا والإيتاء قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، وفي مقام الولاية المطلقة قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي مقام وجوب الطاعة والاتباع كرر في مواضع لا تُحصى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
فهل كان الله عز وجل محتاجاً لشريك في ملكه؟ أم أن الرسول هو باب الهدية وموزع العطية ومبلغ الأمة؟ لقد فرّق النبي ﷺ بدقة بين مقام المشيئة المحضة حين قال للرجل: «أجعلتني لله نداً؟»، وبين مقام الاتباع والتشريع الذي لا يُعرف فيه الله إلا عبر رسوله، فمن أراد “الله بلا رسول” فقد هدم الركن الثاني من الشهادة وضل سواء السبيل.
إن دعوى هؤلاء المبطلين
بأن ذكر الرسول مع الله كان “خاصاً بحياته” هي فرية تصادم خلود الرسالة وعمومها، بل إن كلام هؤلاء الوهابية يضاهي كلام الكفار الذين انقطعت صلتهم بالحق فصاروا ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾؛ فهم لا يرون في الانتقال البرزخي إلا عدماً، بينما يرى الصديق أن الله ورسوله هما المنهج الباقي والأثر الخالد، وقوله “تركت لهم” إخبارٌ عن ميراثٍ إيماني لا ينقطع بموت الجسد الشريف، لأن مقتضى النبوة باقٍ وحاكم في كل زمان ومكان.
فالتوحيد الخالص
هو الذي يرى في طاعة الرسول طاعةً لله، وفي معيته أماناً للأمة، وفي حكمه فصلاً لا رجعة فيه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. أما الجمود على الظواهر مع إغفال الحقائق القلبية والإقرارات النبوية فهو عين “التنطع” الذي أخبر النبي ﷺ أنه سبب هلاك الأمة حين قال: «هلك المتنطعون».
بقلم أ: محمد عطية