الخميس , أبريل 23 2026

من تطرف إلى تطرف .. النقاب أنموذجا


بقلم د : محمد محمــود عبد اللطيــف

ثار جدل كبير بعد واقعة خطف المرأة المنتقبة للطفلة الرضيعة، وارتفعت بعض الأصوات مطالبة بضرورة (حظر النقاب في الأماكن العامة)، واهتبل البعض- بخبث ومكر شديدين- الفرصة فصوروا النقاب على أنه هو سبب المشكلة الأوحد.

لا يمكن أن نتكلم في هذه المسألة إلا ونحن ننظر إلى مطلوب الشارع ما هو؟، ومطلوب الشارع= النقاب، إما استحبابا وإما وجوبا على ما هو مفصل في المذاهب الفقهية الأربعة، وعليه فهو مطلوب اتفاقا، تشكر فاعلته، وتشجع لابسته.

وإذا كنا قد شهدنا في بلادنا تشددا وتزمتا وغلوا وتطرفا من البعض في مسألة النقاب، وصور على أنه أمر عقدي، وأنه واجب قولا واحدا، وأنه معيار التزام المرأة وتدينها وتهتكها وفجورها= فقد عرفنا فساد هذا المسلك، وفساد هذه التصورات شرعا.

ولا نريد أن نكرر الأمر في (قالب آخر)، فالحراثة في الماء لا تثمر شيئا سوى ضياع الوقت مع مزيد عناء، لا نريد أن ننتقل من (تطرف إلى تطرف)، والذي يضمن لنا ذلك هو شيء واحد.. واحد فقط، هو أن نرجع للشرع الحكيم، إلى الكتاب والسنة، إلى مذاهب أهل السنة الفقهية، المذاهب الأربعة المتبعة التي قام أهلها باستنباط الأحكام الشرعية الواردة في الوحيين الشريفين، وتبيينها وتفصيلها على نحو يبهر كل عاقل وفاضل.

دعوى حظر النقاب= مرفوضة جملة وتفصيلا، وكل ما يقال من أسباب لترويج هذه الدعوى وتحويلها من (خطاب نظري) إلى (قانون ملزم) وارد في (غير النقاب) ولا يطالب بحظره.

فمثلا: يقوم بعض اللصوص بارتداء ملابس الشرطة واصطناع كمين، ثم بالبلاغ والبحث والتحري وما إلى ذلك يكتشف أنهم انتحلوا هذه الشخصيات لاستغلال المواطنين، وينالوا عقابهم الذي نص عليه القانون، الأمر نفسه يحصل مع من ينتحل صفة الطبيب ويلبس البالطو ويعمل دكتورا وهو مزور، ويحصل مع من ينتحل صفة ضابط في الجيش، ويحصل في كل مجال، ولم يقل قائل امنعوا هذه الأزياء لأنها تستغل من البعض في التزوير والنهب والسرقات، وينتج عن ذلك كذا وكذا من المفاسد.

في هذا الصدد لا يمكن أيضا إغفال أن النقاب يساء استغلاله واستعماله من بعض من لا خلاق لهن، وهو بالفعل يخفي هوية من تلبسه، ومنكر ذلك مكابر.

لكن ألا يوجد حل لمنع هذه المشكلة ودفع هذه المفاسد سوى حظر النقاب نفسه؟!

لماذا نبدأ بالصعب؟!

ولماذا نتجه في (منطق التفكير) أول ما نتجه إلى (معارضة الشرع الشريف)، وفي الشرع نفسه ما يحل المشكلة؟!

فلا مانع من تشديد الإجراءات الأمنية، واتخاذ ما يلزم مما يسوغ شرعا ويقبل عرفا للكشف عن هوية من تلبس النقاب، ألا توجد عندنا شرطة نسائية؟، إن كان لا يوجد نوجد، وإن كان يوجد نسند لهن هذا الإجراء!

إذا يمكن الكشف عن هويات من يلبسن النقاب بسهولة ويسر ودون أن يرتكب (محظور شرعي واحد)، في الأماكن العامة وفي الامتحانات، وفي كل مكان تتوفر فيه الدواعي الأمنية التي تقضي بالتشديد، نفعل ذلك دون محاربة للنقاب، ودون حط من قدر المنتقبات المستترات العفيفات.

الكلام عن حظر النقاب= كلام بعيد عن منطق الشرع ومنطق الحكمة ومنطق عرف الناس، فالنقاب عريق في (الثقافة المصرية)، وإن لم يكن بالهيئة التي هو عليها الآن كصفة أضفي عليها بعض التجديد، لكن (الشُّقَّة) وهي لباس أسود طويل واسع كالعباءة تلتف بها المرأة من أخمص قدمها إلى مفرق رأسها، وتمسك طرفه بيدها اليمنى وطرفه الآخر بيدها اليسري أسفل قليلا= قديمة وعريقة وعتيقة في صعيد مصر، وقد عملت الحداثة عملها في الألبسة والأزياء، فاتركوا لنا النقاب، وإلا عاد بعض الناس بالشقة.

يجب ألا نقع في الفخ، لا تحارب معتقدات الناس، دع الناس وما يدينون، لا تقبض على الهواء، ولا تحرث في ماء، لا تمنع مشكلة بمشكلة أكبر، ولا ترتكب ضررا أعلى لدفع ضرر أخف، في الوقت الذي يمكن فيه دفع هذا الضرر الأخف بلا ضرر، الحلول متاحة لو كنتم تريدون!

وخالص الشكر والتقدير لرجال وزارة الداخلية الأبطال الذين سيطروا على الأمر، وأعادوا الطفلة إلى أهلها في فترة زمنية قياسية، وفقهم الله وحماهم، آمين.

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.