مسألتان فقهيتان، بخصوص عشر ذي الحجة
adminaswan
17 مايو، 2026
فتاوى وقضايا
41 زيارة

أ.د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
مسألتان فقهيتان، بخصوص عشر ذي الحجة.
المسألة الأولى: هل تصام كلها متتابعة؟
منذ سنوات ظهرت في المسلمين ظاهرة صوم الأيام العشر متتابعة، والحرص على ذلك، وكانوا قبل ذلك لا يصومون سوى يوم عرفة، والحق أن هذا جائز، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وروت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خلافه!
قال الإمام النووي في [شرح صحيح مسلم]:
“قول عائشة: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”، وفي رواية: “لم يصم العشر”،
قال العلماء: “هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة”، قالوا: “وهذا مما يتأول؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لاسيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله…، فيتأول قولها: “لم يصم العشر”؛ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، الاثنين من الشهر والخميس”. ورواه أبو داود – وهذا لفظه – وأحمد والنسائي”. انتهى.
وقال ابن حجر في [فتح الباري]، في تعليل حديث السيدة عائشة رضي الله عنها:
“لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله؛ خشية أن يفرض على أمته”.
والحاصل:
أن صيام الناس الأيام التسعة من ذي الحجة – لأن العاشر يوم العيد ويحرم صومه شرعا – على هذا الوجه من التتابع والاهتمام؛ أمر مشروع، بل مستحب، حتى وإن لم يثبت الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بفعله؛ لدخوله في عموم حديث ابن عباس في البخاري: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام. يعني: عشر ذي الحجة..الحديث”.
وأشار ابن حجر إلى سر اختصاصها بهذا الفضل؛ لكونها اجتمعت فيها أمهات العبادات، من صلاة وصيام وصدقة وحج، وذكر (الأيام) في الحديث قد يشير إلى الصيام؛ لأن اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وعبادة الصيام تكون في النهار دون الليل!
المسألة الثانية: هل يلزم المضحي ألا يأخذ شيئا من شعر رأسه وبدنه، وألا يقص أظفاره، من فجر أول يوم من ذي الحجة حتى يضحي، حتى تصح أضحيته؟
والجواب:
أن مذهب السادة المالكية والسادة الشافعية؛ أن ذلك مستحب، وليس بواجب، وأن مخالفته مكروه تنزيها لا تحريما، فإن خالف، وأخذ من شعره وأظفاره شيئا؛ صحت أضحيته، ولم ينقص شيء من ثوابها؛ لأنه ليس بمُحْرم حتى يجب عليه ذلك، وهذا ما أفتى به العلامة الشيخ حسونة النواوي، مفتي مصر الأسبق – رحمه الله – وبه نقول.
والحكمة في ذلك للمضحي – فيما قيل -:
أن يبقى كامل الأجزاء، حتى تعتق أجزاؤه من النار، مع إراقة دم الأضحية، وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى في حديث؛ ولهذا استحب أن تكون الأضحية كاملة غير معيبة؛ ليقع العتق بالمقابلة!
وقيل:
إن الحكمة في ذلك أن يتشبه بالحجيج في حال الإحرام؛ فإن الحاج – ما دام محرما – لا يأخذ شيئا من شعر رأسه وبدنه، ولا يقص أظفاره، ثم هو لا يتحلل إلا يوم النحر، والله أعلم.
وبالله التوفيق.