بقلم الدكتور : محمد القاسم
يا منْ استجابَ اللهُ لكمُ النداءَ، واصطفاكمْ منْ بينِ الخلقِ لوفدٍ لا يُدعى إليهِ إلا منْ أرادَ اللهُ لهُ القربَ؛ أنتمُ اليومَ في مقامٍ لوْ علمَ الناسُ ما فيهِ منْ شرفٍ لذابتْ قلوبُهمْ شوقًا، وسارتْ أقدامُهمْ حنينًا، ولبكوا قبلَ أنْ يبلغوا الميقاتَ.
إنكمْ لستمْ في سفرٍ عاديٍّ، بلْ في انتقالٍ منْ ضجيجِ الدنيا إلى سكونِ الطاعةِ، ومنْ ازدحامِ المصالحِ إلى صفاءِ المقصدِ، ومنْ ثقلِ العادةِ إلى خفةِ التجردِ.
فمنْ أرادَ الحجَّ فليعلمْ أنهُ لا يحملُ معهُ ثيابَهُ فحسبُ، بلْ يحملُ قلبَهُ كلَّهُ، يحملُ عاداتِهِ، وخصوماتِهِ، وتعلّقاتِهِ، وكلَّ ما كانَ يثقلُ روحَهُ في طريقِهِ إلى اللهِ.
تأملوا كيفَ نزعتمْ عنكمُ المخيطَ، لا لشيءٍ إلا لتتساوى أمامَ اللهِ الأجسادُ، وتنكشفَ القلوبُ قبلَ الأبدانِ.
فليسَ الإحرامُ ثوبًا أبيضَ فحسبُ، بلْ إعلانٌ صامتٌ بأنَّ الإنسانَ حينَ يقفُ بينَ يديْ ربِّهِ يتجردُ منْ كلِّ ما يظنُّ أنهُ يرفعُهُ، فلا يبقى إلا عملُهُ ونيتُهُ وصدقُهُ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿الحجُّ أشهرٌ معلوماتٌ فمنْ فرضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحجِّ﴾ (البقرةُ: 197)
تأملوا كيفَ لمْ يكتفِ القرآنُ بوصفِ المناسكِ، بلْ رسمَ للروحِ منهجَهَا. فلا رفثَ، لأنَّ الطهرَ لا يجتمعُ معَ التعلقِ بالشهوةِ. ولا فسوقَ، لأنَّ الطريقَ إلى اللهِ لا يقطعُ بالعصيانِ. ولا جدالَ، لأنَّ القلوبَ إذا ازدحمتْ بالحقِّ سكنتْ عنِ الخصومةِ.
واعلموا أنَّ الحجَّ ليسَ حركةَ أجسادٍ فقطْ، بلْ تربيةَ نفوسٍ. فكمْ منْ حاجٍّ عادَ منْ مكةَ وقدْ غفرَ اللهُ لهُ، لكنَّهُ عادَ إلى نفسِهِ القديمةِ لأنَّهُ لمْ يتركْهَا هناكَ. وكمْ منْ إنسانٍ ظنَّ أنَّ الوقوفَ بعرفةَ نهايةُ الطريقِ، فإِذا هوَ بدايةُ امتحانٍ جديدٍ: هلْ تغيرَ القلبُ أمْ بقيَ كما هوَ؟
وقدْ قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:
{منْ حجَّ فلمْ يرفثْ ولمْ يفسقْ رجعَ كيومِ ولدتْهُ أمُّهُ} أخرجَهُ البخاريُّ (1521) ومسلمٌ (1350)
وليسَ المقصودُ أنْ تسقطَ الذنوبُ وحدَهَا، بلْ أنْ تولدَ النفسُ منْ جديدٍ، نفسٌ لا تعرفُ الاستسهالَ في المعصيةِ، ولا التهاونَ في الطاعةِ، ولا العودَ إلى ما كانتْ عليهِ قبلَ أنْ تقفَ بينَ يديْ اللهِ في أعظمِ موقفٍ في حياتِهَا.
وهنا تقفُ الآيةُ كأنَّهَا نداءُ الرحلةِ كلِّهَا، تختصرُ الطريقَ وتكشفُ سرَّ الزادِ الحقيقيِّ الذي لا ينفدُ ولا يتركُ خلفَ الظهرِ، قالَ تعالى: ﴿وتزودوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى واتقونِ يا أولي الألبابِ﴾
(البقرةُ: 197)
ليستِ التقوى هنا نصيحةً عابرةً، بلْ هيَ قلبُ الرحلةِ وروحُهَا. كأنَّ اللهَ يقولُ للحاجِّ: لا يغرَّكَ أنكَ تركتَ مالَكَ وثيابَكَ خلفَكَ، فهناكَ زادٌ لا يجوزَ أنْ تخرجَ بدونِهِ، زادٌ لا يحملُ في الحقائبِ بلْ في القلوبِ، زادٌ إنْ ضاعَ ضاعتِ الرحلةُ وإنْ و وُجِدَ قُبِلَ العملُ كلُّهُ. إنَّهَا التقوى، ذلكَ الحذرُ النبيلُ الذي يجعلُ القلبَ واقفًا على بابِ اللهِ لا يبتعدُ، ويجعلُ الجوارحَ خائفةً منْ أنْ تسيءَ وهيَ في أقدسِ مواطنِ الطاعةِ.
ثمَّ يختمُ النداءُ بنداءِ العقولِ قبلَ القلوبِ: واتقونِ يا أولي الألبابِ، وكأنَّ الخطابَ لا يليقُ إلا بمنْ فهمَ أنَّ الحجَّ ليسَ مشهدًا يرى، بلْ تحولًا يعاشُ، وأنَّ العاقلَ ليسَ منْ بلغَ البيتَ، بلْ منْ بلغَ بهِ البيتُ إلى ربِّهِ.
أيها الحجاجُ، إنَّ أخطرَ ما قدْ يصيبُ الإنسانَ في سفرِهِ إلى اللهِ أنْ يظنَّ أنَّ الرحلةَ انتهتْ عندَ أداءِ المناسكِ.
إنَّ الرحلةَ الحقيقيةَ تبدأُ بعدَ العودةِ، حينَ يختبرُ الصدقُ في الأسواقِ والبيوتِ والخصوماتِ، حينَ يرى أثرُ الوقوفِ بعرفةَ في الأخلاقِ، وأثرُ الطوافِ في القلبِ، وأثرُ السعيِ في الإرادةِ.
فلا تجعلوا الحجَّ ذكرى جميلةً، بلِ اجعلوهُ نقطةَ تحولٍ. اتركوا هناكَ ما لا يليقُ بكمْ، واحملوا معكمْ قلبًا جديدًا، فإنَّ اللهَ لا يريدُ منكمْ مشيًا إلى البيتِ، بلْ رجوعًا إليهِ.
وإذا عدتمْ إلى ديارِكُمْ، فليكنْ فيكمْ أثرُ ذلكَ اليومِ الذي وقفتمْ فيهِ حفاةً عراةً إلا منْ رحمةِ اللهِ، حينَ لا ينفعُ مالٌ ولا جاهٌ، ولا يبقى إلا العملُ الصادقُ. هناكَ فقطْ تفهمُ الحياةُ على حقيقتِهَا، وهناكَ فقطْ يولدُ الإنسانُ منْ جديدٍ.
صوت الأزهريين