علاقة العشر الأوائل من ذي الحجة بالعشر الأواخر من رمضان
adminaswan
17 مايو، 2026
الأزهر والدعاة
31 زيارة

بقلم : الشيخ محمد هاشم
الحمد لله الذي جعل مواسم الطاعات للعباد محطات، يغسلون فيها العبرات، ويرفعون بها الدرجات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، قائد الغُرّ المحجلين، ومحفز الهمم في سائر الأوقات والحين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فإن نفحات المولى سبحانه وتعالى لا تنقضي، وحكمته البالغة في تفضيل الأزمان تتجلى للمتدبرين في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن أعظم ما يقف عنده اللبيب، متأملاً ومتدبراً، هاتان العشيرتان العظيمتان:
العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك
والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة الحرام.
وإذا كان السلف الصالح والعلماء الأجلاء قد أعملوا الفكر في الموازنة بينهما، ووضعوا لنا القاعدة الذهبية الكبرى القائلة: “إن نهار عشر ذي الحجة أفضل من نهار عشر رمضان لاشتماله على يوم عرفة ويوم النحر، وليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لاشتمالها على ليلة القدر”؛ فإن هذه الموازنة لا ينبغي أن تقف عند حدود المفاضلة النظرية، بل إن خلفها أسراراً تربوية، ولفتات إيمانية، تجعل من العشيرتين لوحة تكاملية ترسم للمسلم طريق النجاة.
إن أولى هذه اللفتات، هي ما يمكن أن نسميه بـ “فقه الوقت الحاضر”.
فالمسلم الحق لا يستغرق في جدل أيهما أفضل مطلقاً؛ بل يرى أن الموسم الحاضر المشهود الذي يعيشه في ساعته هو الأفضل على الإطلاق في حقه! إنها رؤية تقطع دابر التسويف، وتكبح جماح التأجيل. فربما يدرك المرء عشر ذي الحجة ولا يدرك رمضان القابل، وربما يدرك ليل رمضان ولا يكتب الله له بلوغ نهار ذي الحجة.
إن العبادة في الوقت الحاضر هي “واجب الوقت” الذي فرضه الله عليك الآن، فإذا اغتنم المرء وجوده في هذا الحاضر، مات وقد حاز شرف الزمان، وكتب الله له أجر الموسم الذي يليه بنيته الصادقة وإن وسده التراب قبله.
أما اللفتة الثانية
وهي مسك الختام في فقه هذا التكامل، فهي النظر إلى طبيعة العبادة الوظيفية في كلتا العشيرتين؛ إذ تتبدى لنا علاقة بديعة بين “محو الماضي” و**”بناء المستقبل”**.
في العشر الأواخر من رمضان
يقف المسلم في محطة “التخلية” والغسيل الإيماني الشامل؛ فالنصوص النبوية تهتف به: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». إنها محطة لتصفير السجلات، ومحو سيئات الماضي، والعتق من النيران، ليعود العبد نقياً من أثقال الخطايا التي سلفت.
حتى إذا تطهر العبد وبدأ صفحة بيضاء، جاءت العشر الأوائل من ذي الحجة كمحطة لـ “التحلية” والبناء؛ إنها موسم الاستثمار المستقبلي وكتابة الأجور الكبرى. العمل الصالح فيها هو “أحب إلى الله”، والمحبة الإلهية هنا تثمر مضاعفة لا حدود لها في مستقبل العبد ورصيده الأخروي. بل إن صيام يوم عرفة يمتد أثره ليؤمّن للمسلم وقاية مستقبلية ويكفر عنه ذنوب “السنة الباقية”، والحج يخرج منه العبد ليمضي في بقية عمره بعهد جديد.
وهكذا، يجمع المسلم الكيس بفهمه وعمله بين المحطتين: في رمضان يغسل ماضيه، وفي ذي الحجة يؤمّن مستقبله ويشيد قصور ثوابه. فما أجمل السير إلى الله بجناحي المغفرة والاستزادة، وما أعظم التعبد بفقه الحاضر الذي يختصر المسافات، ويجعل من كل موسم يمر بنا بوابتنا الكبرى نحو الجنة.
جعلنا الله وإياكم ممن يغتنمون الأوقات، ويضاعف لهم الأجور والحسنات.