الدرس الثاني: سيكولوجية النداء. لماذا تهزّ التلبية قلب الإنسان؟
adminaswan
16 مايو، 2026
منوعات
6 زيارة

بقلم الشيخ: فارس أبوحبيب
سيكولوجية الحج (2)
الدرس الثاني: سيكولوجية النداء.
لماذا تهزّ التلبية قلب الإنسان؟
من اللحظة التي يرفع فيها الحاج صوته قائلًا:
“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”
يبدأ تحول نفسي عجيب داخل القلب.
فالتلبية ليست مجرد كلمات تُردد…
بل إعلان استجابة كاملة لله.
*معنى “لبيك” نفسيًا:
العرب كانت تقول: “لبّيك” أي:
أنا حاضر، مستجيب، مقيم على طاعتك، متوجه إليك بكلي
وكأن الحاج يقول:
يا رب… كنت مشغولًا بالدنيا طويلًا، وها أنا أعود إليك، ولهذا يشعر كثير من الناس بالرهبة أو البكاء أول مرة ينطقون فيها بالتلبية، لأن القلب يدرك فجأة أنه يقف في رحلة استجابة حقيقية لله.
لماذا تتكرر التلبية كثيرًا؟
لأن النفس تنسى بسرعة، فالإنسان قد يستجيب لله في لحظة إيمانية، ثم تعيده الدنيا مرة أخرى إلى الغفلة.
ولهذا تتكرر التلبية:
في الطريق، بين المشاعر، أثناء السير، في الزحام
حتى تتحول من كلمة تُقال… إلى حالة يعيشها الإنسان.
*سيكولوجية الصوت الجماعي:
من أعجب مشاهد الحج: أن ملايين البشر يرددون نداءً واحدًا بصوت واحد، وهذا له أثر نفسي هائل.
فالإنسان بطبيعته يتأثر بالمشاعر الجماعية.
حين يسمع: “لبيك اللهم لبيك”
من كل اتجاه… يشعر أنه ليس وحده في طريق الطاعة وأن الأرض كلها تتحرك نحو الله.
*التلبية تعالج أمراضًا نفسية خطيرة:
1- التشتت فهي تعيد تركيز القلب على غاية واحدة.
2- القلق لأن المستجيب لله يطمئن أنه في رعاية الله.
3- الشعور بالوحدة فالحاج يرى نفسه جزءًا من أمة كاملة.
4- التعلق بالدنيا لأن التلبية تعلن: “إن الحمد والنعمة لك والملك” أي أن كل شيء لله لا للناس.
*لماذا يبدأ الحج بالاستجابة؟
لأن أصل الدين كله قائم على:
السمع والطاعة، التسليم لله، الاستجابة لأمره
ولهذا كان شعار المؤمنين:﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
فالحج ليس رحلة سياحية… بل تدريب عملي على العبودية.
*بين تلبية اللسان وتلبية القلب:
بعض الناس يردد التلبية وصوته مرتفع… لكن قلبه غائب، والبعض الآخر ربما يقولها بصوت منخفض… لكن قلبه ممتلئ شوقًا وخضوعًا.
والله لا ينظر إلى ارتفاع الأصوات فقط… بل إلى صدق الاستجابة.
*وقفة تربوية:
السؤال الحقيقي ليس: هل قلت “لبيك” في الحج؟
بل:
هل لبيت أمر الله في حياتك؟
هل استجبت للصلاة؟
هل استجبت للحق؟
هل استجبت للتوبة؟
هل استجبت حين دعاك الله للتغيير؟
فالتلبية ليست للحج فقط… بل منهج حياة.
*خاتمة:
كلما قال الحاج:
“لبيك اللهم لبيك” فكأنه يعلن من جديد:
يا رب… مهما ابتعدتُ… فبابك هو الوجهة الأخيرة.