بين الفقه والطعن تفنيد أكذوبة “الأحاديث الجنسية” في صحيح البخاري وبيان تحريف الخصوم لمعاني النصوص الشرعية


د : عصام الطيب

من أكثر الأساليب التي يعتمدها بعض خصوم أهل السنة للطعن في صحيح البخاري وصحيح مسلم أنهم يجمعون عدداً من الأحاديث المتعلقة بالطهارة أو الحياة الزوجية أو الأحكام الأسرية، ثم يقتطعونها من سياقها، ويضعون لها عناوين مثيرة من قبيل: “الأحاديث الجنسية” أو “الأحاديث الخادشة”؛ في محاولة لإثارة العاطفة والنفور عند القارئ البسيط.

والحقيقة أن هذه الطريقة ليست بحثاً علمياً ولا نقداً حديثياً، بل هي قائمة على:

1- تحريف المعاني،
2- وإسقاط فهم معاصر منحرف على ألفاظ عربية شرعية،
3- تجاهل كلام العلماء وشروح الأئمة،
4- إخفاء المقاصد الفقهية والتشريعية التي وردت هذه النصوص من أجلها.

فالرسول ﷺ لم يُبعث برهبانية تمنع الحديث عن أحكام الإنسان الفطرية، بل جاء الإسلام ليعالج واقع الناس:
في الطهارة،
والزواج،
والحيض،
والصيام،
وسائر شؤون الحياة

بأدب وبيان وتشريع.

وفي هذا المنشور سنعرض أشهر الأحاديث التي يثيرون حولها الشبهات، مع بيان معناها الحقيقي، وسياقها، وكلام أهل العلم فيها، ليتبين للقارئ الفرق بين الفهم العلمي للنصوص وبين أسلوب الإثارة والتشويه والطعن.

أشهر هذه الأحاديث

أولاً: حديث «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد»

الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عائشة بنت أبي بكر أنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد».

وجه الشبهة عندهم
يقولون: لماذا تُذكر أمور خاصة بين الزوجين؟

الجواب
1- المقصود تعليم الأحكام الشرعية
الحديث بابه: الطهارة والاغتسال، وليس الإثارة.

فالصحابة كانوا يسألون عن أدق أمور الحياة ك :
الجنابة،
الغسل،
طهارة الماء،
هل يجوز للرجل والمرأة استعمال ماء واحد؟

فجاء الحديث لبيان الحكم.
ولهذا وضعه البخاري في أبواب الطهارة لا في “باب المتعة الزوجية” مثلاً.

2- العرب كانت تستعمل ألفاظاً صريحة بلا ابتذال
لغة العرب في عصر النبوة لم تكن ملوثة بثقافة الإباحية الحديثة.
فذكر الغسل أو الحيض أو الجماع عند الحاجة العلمية لم يكن عيباً.

والقرآن نفسه قال: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}

وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}

وقال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}

فهل سيطعن هؤلاء أيضا فى القرآن بحجة الاباحية وخدش الحياء ، ام يجب عليهم أن يفهموا أولاً مقاصد التشريع
فالشرع هنا يعالج واقع الإنسان.

3- لو أُخفيت هذه الأحاديث لضاعت أحكام كثيرة
أمهات المؤمنين نقلن دقائق الأحكام الخاصة التي لا يطلع عليها الرجال.

ولذلك كانت عائشة بنت أبي بكر من أعظم فقهاء الأمة.

ثانياً: حديث «كنت أشرب وأنا حائض ثم يناولني النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ»

وفي رواية:
«كنت أتعَرَّق العَرْق وأنا حائض ثم يناوله النبي ﷺ فيضع فاه موضع فمي».

الشبهة
يزعمون أن فيه وصفاً حميمياً لا داعي له.

الرد
المقصود إزالة اعتقاد الجاهلية

اليهود كانوا يبالغون في اعتزال الحائض حتى لا يؤاكلوها ولا يجالسوها.

فجاء الإسلام ليبين:

أن الحائض ليست نجسة،
وأن المعاشرة الطبيعية جائزة،
وأن النجاسة ليست في ذات المرأة.

إذن الحديث تشريع اجتماعي وفقهي.

ثالثاً: حديث «كان يقبل وهو صائم»

عن عائشة بنت أبي بكر:
«كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه وهو صائم».

الشبهة
يقولون: لماذا تُنقل هذه الأمور؟

الرد
لأن الصحابة احتاجوا لمعرفة:
هل القبلة تفطر؟

وهل المباشرة للصائم جائزة؟

فهذا فقه.

ولذلك اختلف الحكم بحسب قدرة الإنسان على ضبط نفسه.

ولهذا قالت عائشة: «وكان أملككم لإربه».
أي أشدكم تحكماً في شهوته.

رابعاً: حديث «كنت في مِرْط عائشة»

هذا من أكثر ما يُحرَّف.
الحديث أن النبي ﷺ كان يصلي وعليه بعض ثوب عائشة بنت أبي بكر أو في لحافها أو مرطها.

ما هو “المرط”؟
المرط في لغة العرب:
كساء،
أو ملحفة،
أو ثوب واسع.

وليس له أي معنى جنسي.

لكن بعضهم يتعمد إيهام الناس أن الكلمة تحمل معنى فاحشاً.

المقصود من الحديث

بيان:
طهارة ثياب المرأة،
وجواز الصلاة في ثوب الزوجة،
والتيسير في أحوال البيت.

خامساً: حديث «باشرني وأنا حائض»

وفي بعض الروايات:
«كان يأمرني فأتزر ثم يباشرني وأنا حائض».

الشبهة
يزعمون أن الحديث خادش.

الرد
معنى “المباشرة”
في اللغة:
الملامسة،
أو المعاشرة البدنية،
وليس بالضرورة الجماع.

والحديث مقصوده:
جواز استمتاع الزوج بزوجته الحائض فيما دون الجماع.

وهذا حكم فقهي مهم.
لماذا؟

لأن اليهود كانوا يمنعون كل اقتراب من الحائض.

فجاء الإسلام وسطاً:
لا إفراط اليهود،
ولا تفريط الوثنيين.

سادساً: حديث «إرضاع الكبير»
من أشهر ما يثيرونه.

والحديث في صحيح مسلم في قصة سهلة بنت سهيل مع سالم مولى أبي حذيفة.

الشبهة
يصورونه وكأن الإسلام يأمر المرأة بإرضاع الرجال الكبار مباشرة.

الرد التفصيلي
1- هذه واقعة خاصة عند جمهور العلماء

أكثر العلماء قالوا:
إنها رخصة خاصة بسالم،
وليست حكماً عاماً.

وممن قال بذلك:
مالك بن أنس
محمد بن إدريس الشافعي
أحمد بن حنبل
وأكثر أهل العلم.

2- الإرضاع لا يلزم منه المباشرة
ذكر العلماء أن اللبن:
يمكن أن يُحلب في إناء،
ثم يُشرب.
وليس في الحديث أنها كشفت عورتها أو أرضعته مباشرة.

3- سبب القضية
كان سالم قد تربى في البيت قبل تحريم التبني.
فلما نزل تحريم التبني صار دخوله على البيت فيه حرج.
فجاءت هذه الرخصة الخاصة.

سابعاً: حديث «طوافه على نسائه في ليلة واحدة»

وفيه:
«كان يطوف على نسائه وله قوة ثلاثين».

الشبهة
يقولون: لماذا ذكر هذا؟

الرد
المقصود بيان كمال الرجولة البشرية وأن النبى صل الله عليه وسلم بشر ويتزوج ويعاشر .

وليس راهباً.

وفيه رد على:
الرهبانية، والغلو النصراني
كما أن فيه معجزة
إذ أعطاه الله قوة خاصة.

ثامناً: حديث رؤية عائشة للحبشة وهم يلعبون

وفيه:
«وكانت تنظر إليهم وأنا أسترها بردائي».

الشبهة
يزعمون أن فيه أموراً لا تليق.

الرد
الحديث فيه: حسن معاشرة النبي ﷺ لزوجاته،
وإدخال السرور عليهن،
وجواز اللهو المباح.
ولا علاقة له بما يثيرونه.

قاعدة مهمة جداً
هذه الأحاديث ليست جنسية ولا علاقة لها بهذا التصور المريض
لأن جميعها اجابات على اسئلة تشريعية تتعلق
بفقه الأسرة والطهارة والزواج.

لكن الخصوم يعيدون قراءتها بعقلية معاصرة متأثرة بالإعلام والإباحية.

المفارقة الكبرى

كتب الشيعة نفسها ــ كـ الكافي ــ تحتوي على روايات أشد إشكالاً، مثل: «المتعة منّي، ومن عمل بها عمل بسنتي»
«إنها من ديني ودين آبائي»
«ما من رجل تمتّع ثم اغتسل إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة،ويلعنون متجّنبها إلى أن تقوم الساعة…»
روايات كلها في المتعة،
وتصف تفاصيل دقيقة جداً للعلاقة الزوجية،
وألفاظ لا يذكر أهل السنة ابداً
ومع ذلك يتغاضون عنها ويركزون فقط على صحيح البخاري.

خلاصة منهج أهل السنة
مع علمهم أن أهل السنة لا يقدسون ألفاظاً بلا فهم، بل ينظرون إلى:
1. صحة السند،
2. معنى الحديث،
3. كلام العلماء،
4. سياق الرواية،
5. المقصد الشرعي.

فإذا فُهمت الأحاديث في سياقها:

زالت الشبهة،
وظهر أن أغلبها أبواب فقه وطهارة وأسرة،
لا كما يصورها أهل الجدل والطعن.


اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.