هل الله فى كل مكان ؟ تفنيد شبهات المجسمة بالعقل والنقل
adminaswan
22 مايو، 2026
عقيدة السلف الصالح
5 زيارة

بقلم أ : محمد عطية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالشَّرِيكِ، وَعَنِ الْأَحْيَازِ وَالْأَمَاكِنِ، كَانَ سُبْحَانَهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ، وَبَعْدُ؛ فَهَذَا بُرْهَانٌ نَقْلِيٌّ وَعَقْلِيٌّ قَاطِعٌ، نَدْحَضُ فِيهِ شُبُهَاتِ التَّجْسِيمِ، وَنُنَزِّهُ الْخَالِقَ جَلَّ جَلَالُهُ عَنِ الْحَصْرِ فِي حَيِّزٍ مَخْلُوقٍ
أَوَّلًا:
يَتَشَبَّثُ أَهْلُ التَّجْسِيمِ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ وَالتَّيْمِيَّةِ وَالْمُتَسَلِّفَةِ الْمُعَاصِرَةِ بِظَاهِرِ نَصِّ {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} لِإِثْبَاتِ الْمَكَانِ، وَيَطْرَحُونَ سُؤَالَهُمْ: “أَيْنَ اللَّهُ؟”
وَهُوَ سُؤَالُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ بَاطِلٌ يَنْطِقُونَ بِهِ عِنْدَ الْإِفْلَاسِ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، وَجَوَابُهُمْ مِنَ الْوَحْيِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وَ{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}، وَ{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، فَمَنْ أَوَّلَ آيَاتِ الْمَعِيَّةِ وَأَخَذَ آيَاتِ الْجِهَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَهُوَ صَاحِبُ هَوًى، وَمَنْ أَخَذَ الْكُلَّ عَلَى الظَّاهِرِ الْحِسِّيِّ لَزِمَهُ الْحُلُولُ وَالتَّنَاقُضُ، فَسَقَطَ مَذْهَبُهُمْ بِالْقُرْآنِ.
ثَانِيًا:
إِنَّ [ أَيْن ] فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَأْتِي لِلْمَكَانِ الْحِسِّيِّ، كَمَا تَأْتِي لِلْمَنْزِلَةِ وَالْمَكَانَةِ الْمَعْنُوِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} أَيْ أَيْنَ قَدْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْجَارِيَةِ؛
إِذْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: “الْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ الْمَكَانَةُ لَا الْمَكَانُ الْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ”،
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: “ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ لَا تَحْوِيهِ السَّمَاءُ”، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ: “كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ، وَكَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيْنٌ”، وَقَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رَدِّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مُثْبِتًا بُطْلَانَ الْحُلُولِ وَالتَّحَيُّزِ عَقْلًا: “أَلَيْسَ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ؟ فَحِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ خَلَقَهُمْ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ؟ فَإِنْ قَالَ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ
ثَالِثًا:
إِنْ كَانَ فَهْمُكُمْ لِـ “فِي” السَّمَاءِ يَقْتَضِي الظَّرْفِيَّةَ وَالْمَكَانَ، فَمَا صَنِيعُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ}؟
هَلْ نَطِيرُ لِنَقْتَاتَ فِي السَّمَاءِ أَمْ أَنَّ الرِّزْقَ مُقَدَّرٌ فِيهَا وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ؟
فَكَمَا صَرَفْتُمُ الظَّاهِرَ الْمَكَانِيَّ هُنَا لِلْمَعْنَى، لَزِمَكُمْ صَرْفُهُ هُنَاكَ تَنْزِيهًا لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ عَنِ التَّحَيُّزِ
رَابِعًا:
حَصَرَتْكُمُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} فِي مَضِيقٍ لَا مَخْرَجَ مِنْهُ؛ فَإِمَّا أَنْ تَأْخُذُوا بِالظَّاهِرِ فَيَلْزَمُكُمُ الْقَوْلُ بِالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ التَّجْسِيمِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، وَإِمَّا أَنْ تَؤَوِّلُوهَا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِحَاطَةِ فَتَكُونُوا قَدْ خَضَعْتُمْ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَفُضَلَاءِ الْحَنَابِلَةِ
خَامِسًا:
لَوْ كَانَ قُرْبُ اللَّهِ قُرْبَ مَسَافَةٍ حِسِّيَّةٍ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ، لَكَانَ الرَّاكِبُ فِي الطَّائِرَةِ أَقْرَبَ مَسَافَةً إِلَى اللَّهِ مِنَ الْعَبْدِ السَّاجِدِ الْمُعَفِّرِ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عَقْلًا وَنَقْلًا، لِأَنَّهُ يُصَادِمُ صَرِيحَ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ”، فَالْقُرْبُ قُرْبُ مَكَانَةٍ وَخُضُوعٍ لَا قُرْبُ أَمْتَارٍ وَمَسَافَاتٍ
سَادِسًا:
إِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ (التَّفْوِيضِ) وَالْخَلَفِ (التَّأْوِيلِ) هَيِّنٌ لِأَنَّ كِلَاهُمَا مُنَزِّهٌ، وَإِنَّمَا الْمَلَامُ عَلَى “الْحَشْوِيَّةِ” الَّذِينَ يَحْمِلُونَ النُّصُوصَ عَلَى مَعَانِي الْخَلْقِ، وَيَزِيدُونَ رِوَايَاتٍ شَاذَّةً وَمَوْضُوعَةً؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ اسْتَقَرَّ بِذَاتِهِ، أَوْ يَنْزِلُ بِالْحَرَكَةِ، أَوْ لَهُ جِهَةٌ، وَحَدٌّ، وَثِقْلٌ يَثْقُلُ عَلَى الْعَرْشِ، فَمَذْهَبُهُ زَائِفٌ خَارِجٌ عَمَّا يَجُوزُ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَلَا تَنْفَعُهُمْ دَعْوَى “السَّلَفِيَّةِ” لِسَتْرِ هَذِهِ الْمَخَازِي الَّتِي تَدِينُ بِهَا النَّابِتَةُ الْوَهَّابِيَّةُ وَالْمُتَسَلِّفَةُ الْمُعَاصِرَةُ
سَابِعًا:
أَيْن قَالَ اللَّه فِي الْقُرْآن (إِنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ مكانة) وَأَيْنَ قَالَ (إِنَّهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ) وَأَيْنَ قَالَ (إِنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ بذاته ) بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَيْنَ قَالَ (إِنَّ الْقَدَمَيْنِ فَوْقَ الْكُرْسِيِّ) وَأَيْنَ قَالَ (إِنَّهُ يَسْمَعُ خَلْقَهُ وَيَرَاهُمْ مِنْ فَوْقٍ) وَأَيْنَ قَالَ (إِنَّ مُحَمَّدًا قَاعِدٌ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ) … إِلَى بَقِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ اهل البدع والضلال وَالْمُتَّبِعُ لِلْقُرْآنِ لَا يُغَيِّرُهُ وَلَا يُغَيِّرُ لَفْظَهُ، بَلْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ يَقِفُ عِنْدَ أَلْفَاظِهَا وَلَا يَزِيدُ فِي مَعْنَاهَا وَلَا يَنْقُصُ. وَهَكَذَا أَكْثَرُ مَا ذكَرو لَمْ يَجِئْ لَفْظُهُ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ مِنْ عِنْدِهِم وتقول علي الله ورسوله قَدْ كَذَبَتم فِيهَا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ وَفَهِمَهَا عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَنَسَبَتم إِلَى عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْبَرَاءِ مِنَ السُّوءِ كُلَّ قَبِيحٍ وَجَعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ وَالِانْسِلَاخِ مِنَ الْإِيمَانِ وَانْتِهَاكِ الْحَرَامِ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ. فَهَلْ وَصَلَتِ الزَّنَادِقَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَالطَّاعِنُونَ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا بَلْ وَلَا عُشْرِ هَذَا وَإِيهَامُهُ الْجُهَّالَ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِيُنْفِقَ عِنْدَهُمْ كَلَامُهُ وَيَخْفَى عَنْهُمْ سَقَامُهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرً