
د : مصطفى منصور
خرج علينا الأستاذ عادل عصمت بطرحٍ يزعم فيه أنَّ “الأصل في المواريث هو الوصية”، وأنَّ قوانين الإرث (آيات المواريث) ما هي إلا “احتياطٌ” أو حالة استثنائية.
وهذا الطرح ليس جديداً، بل هو استنساخٌ حرفي لمنهج محمد شحرور الذي حاول “أنسنة” التشريع وإخضاعه للتقدير البشري.
الردُّ اللغوي (دلالة “الفريضة” مقابل “الوصية”):
يقول الله تعالى في نهاية آية المواريث: {فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}.
عقلياً ولغوياً: كلمة “فريضة” في لسان العرب تعني المقطوع به الذي لا يحتمل التغيير. لو كانت الوصية هي الأصل المطلق، لكان نصيب الورثة “اختيارياً” ولما سماه الله فريضة.
عادل عصمت (ومعه شحرور) يحاولون إيهام الناس أن الوصية تلغي الميراث، بينما الحقيقة أنَّ الوصية نظامٌ “موازٍ” محدود (بحدود الثلث لغير وارث) ليجبر كسر المحتاجين، وليس ليهدم نظام “الأنصبة” الذي يحقق العدالة الاجتماعية الشاملة.
والردُّ من القرآن حيث لا يعترف الا به (ترتيبُ الاستحقاق):
ومن عجيب القرآن فى ايات المواريث أن كررها أكثر من مرة : {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ }، {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.{مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ}، { مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ} ، {مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصَىٰ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ}.
وجود لفظة “بعد” فى الايات لا يعني أنَّ الوصية هي الأصل التشريعي، بل يعني أنها (مقدمة في التنفيذ المالي) إبراءً للذمة. فإذا نُفذت الوصية (في حدودها الشرعية)، انتقلنا فوراً للأصل الثابت وهو “الميراث”.
لو جعلنا الوصية هي الأصل المطلق كما يزعمون، لتحول المجتمع إلى غابة من “الأهواء”، حيث يحرم الأب ابنه أو يفضل أحداً على أحد، وهو ما جاء نظام الميراث لقطعه بـ {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا}.
عادل عصمت يردد كلمات شحرور..
نعم، يتوافق معه تماماً. شحرور في كتابه (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي) اعتبر أن آيات الميراث هي “حدود قصوى” وليست قوانين ثابتة، وزعم أن الوصية هي المساحة التي يتحرك فيها الإنسان بحرية.
إذا كان الأستاذ عادل عصمت يتبنى هذا الطرح، فنقول له: “إنَّ بضاعتكم هي بضاعة شحرور، وهي بضاعةٌ رُدَّت إليه بفسادِ المنهج وتهافتِ الأدوات اللسانية”. إنَّ محاولة جعل “الاحتياطي” أصلاً، و”الأصل” احتياطياً، هو قلبٌ لمنطق اللغة والشرع.
نظام الميراث في الإسلام نظام “جبري” (قهري) لا دخل لإرادة الإنسان فيه؛ وذلك لضمان تفتيت الثروة وعدم تركزها. أما نظام الوصية فهو “إرادي”.
عادل عصمت يريد استبدال “العدل الإلهي المطلق” بـ “التقدير البشري القاصر”. فإذا كان شحرور قد سقط في “فخ اللسانيات”، فإن الأستاذ عادل يحتاج إلى مراجعة مبادئ المواريث في اللغة والواقع قبل أن يقرر أنَّ الفريضة المحكمة هي مجرد “خطة احتياطية”!
آيات المواريث هي “الدستور”، والوصية هي “الاستثناء” لمعالجة حالات خاصة. ومن يقلب هذه الآية، فهو لا يقرأ القرآن، بل يقرأ “أوهام شحرور” ويسقطها على النص
صوت الأزهريين