الإثنين , فبراير 2 2026

نزول رحمة لا نزول نُقلة

 

قال الإمام مالك: “نزول رحمة لا نزول نُقلة ” ([1])

احذروا مما ينشره الجهلة في يوم عرفة ، يقولون للناس: “ترقبوا النزول الإلهي في نهار يوم عرفة”!!

فإنّ العاميّ إذا سمع هذا، يتوهم نزولا حِسِّيا لله من فوق إلى تحت فيه حركة وانتقال من مكان إلى آخر ودنُو وقُرب بالمسافة والجهة فإذا اعتقد ذلك فقد فسدت عقيدته وما عاد من المسلمين. فليس معنى الحديث الوارد في ذلك نزول انتقال وحركة ولا تحيز في مكان وجهة ولا قرب مسافة فالله سبحانه مُنزه عن ذلك كله وإنما معنى النزول والدُنو الوارد هو نزول رحمة ودنو لُطف ومغفرة وليس كما توهم هؤلاء، كما قال الإمام مالك: “نزول رحمة لا نزول نُقلة”،

فالله سبحانه وتعالى مُنزه عن الحركة والسكون والبُعد والقُرب بالمسافة، موجود بلا مكان ولا جهة، فلا هو فوق العرش ولا في السماء ولا في كل مكان ولا يوصف بصفات المخلوقات.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ([2]) :

 “وقال ابن العربي النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن مَلَكه الذي ينزل بأمره ونهيه.” ثم قال: “والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه.

وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي يُنزِل ملَكا قال الحافظ ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد )) أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له((  الحديث، وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد )) ينادي مناد هل من داع يستجاب له((  الحديث، قال القرطبي وبهذا يرتفع الإشكال…

 قال البيضاوي:

ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ، فالمراد نور رحمته.” انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

قال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه “الباز الأشهب” : بعد ذكر حديث النزول ما نصه:

“إنه يستحيل على الله عزَّ وجلَّ الحركة والنقلة والتغيير , وواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو مكان الساكن وجسم سافل وجسم ينتقل من علو إلى أسفل وهذا لا يجوز على الله قطعا”.

قال القسطلاني في شرحه على البخاري عند ذكره لهذا الحديث([3])  :

“هو نزول رحمة ومزيد لطفٍ وإجابة دعوة وقبول معذرة ، لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله فهو نزول معنوي” ثم قال “نعم يجوز حمله على الحسي ويكون راجعا إلى ملَكه الذي ينزل بأمره ونهيه”

وروى البيهقي بإسناده عن الإمام إسحاق بن راهويه وهو من أئمة السلف أنه قال([4])  : “سألني ابن طاهر عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم -يعني في النزول- فقلت له النزول بلا كيف”

 لا يجوز حمل الحديث إلى الانتقال من العلو إلى أسفل لثلاث وجوه

  

قال رئيس القضاة الشافعية في مصر في زمانه بدر الدين بن جماعة في كتابه “إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل”([5])ما نصه:

اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه، لوجوه:

الأول: النزول من صفات الأجسام والمحدَثات ويحتاج إلى ثلاثة: منتقِل، ومنتقَل عنه ومنتقَل إليه، وذلك على الله تعالى محال.

الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله ، وتنقلات كثيرة، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا نهارا ، من قوم إلى قوم ، وعوده إلى العرش في كل لحظة على قولهم، ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ، ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل .

الثالث : أن القائل بأنه فوق العرش ، وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا ، وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة ، فيلزم عليه أحد أمرين: إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه، ونحن نقطع بانتفاء الأمرين.” انتهى كلام ابن جماعة.

([1]) شرح الزرقانى على موطأ الإمام مالك , ص 46

([2]) فتح البارئ شرح صحيح البخاري – المجلد الثالث – كتاب الصلاة: باب الدعاء والصلاة من ءاخر الليل

([3])شرح صحيح البخاري، القسطلاني – المجلد الثاني، ص ٣٢٣.

([4])لأسماء والصفات – البيهقي – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – ص ٥٦٨.

([5])إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ابن جماعة – دار السلام ١٤١٠ هـ – ص ١٦٤.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.