مال ابن تيمية رحمه الله إلى الأخذ ببعض الأقوال الشاذة في العقيدة، فإذا ما سمع حديثًا أو أثرًا يخالف ما يعتقده ويُفتي به يتجاسر ابن تيمية على ردِّه وتضعيفه وتوهينه، حتى ولو كان في صحيح البخاري، فيقول: “وقد نُقِلَ عن بعضهم: أنَّ “كرسيَّه” علمه، وهو قول ضعيف”
فأعجب من ابن تيمية يضعفه بلا حجة ولا دليل، مع أنَّ الإمام البخاري قد أورده في صحيحه من قول سيدنا سعيد بن جبير أنه قال: {كرسيه} [البقرة: 255]: “علمه”
وقال الحافظ ابن حجر: “وقال ابن جبير: كرسيّه علمه، وَصَلَه سفيان الثوري في تفسيره في رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح.
وأخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير، فزاد فيه: عن ابن عباس.
وأخرجه العقيلي من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ، وهو عند الطبراني في «كتاب السنة» من هذا الوجه مرفوعًا.
وكذا رويناه في «فوائد أبي الحسن علي بن عمر الحربي» مرفوعًا والموقوف أشبه”
وذكره البيهقي ــ أيضًا ــ عن ابن عباس
ثم مع وروده وثبوته عن ابن عباس وسعيد بن جبير يبالغ ابن تيمية مبالغة مذمومة حين يقول في موضع آخر: “وليس كرسيّه علمه كما قالت الجهمية؛ بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه”
ولا أدري أين قراءة وحفظ ابن تيمية لتفسير ابن جرير الذي ينعته بأنه أكثر كتب التفسير تمسكًا بمنهج السلف؟! فهل قرأ ابن تيمية ما قاله شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري المتوفى 311هـ في قوله: “وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: “هو علمه”، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]، على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [سورة غافر: 7]”
فهل سيدنا ابن عباس، وسيدنا سعيد بن جبير، وسيدنا البخاري، وسيدنا ابن جرير جهمية؛ لأنهم رووا ما يخالف عقيدتك يا ابن تيمية؟! وليس ذلك إلَّا لأنه يرى أن هذا التفسير مخالف لعقيدته التي يظنها عقيدة لأهل السنة.
من كتابنا: ابن تيمية واختلال المنهج العلمي.
صوت الأزهريين
