الثلاثاء , مارس 31 2026

فتنة القول الراجح بين المذاهب الأربعة المعتبرة وبين أدعياء القول الراجح بالدليل


الدكتور : عصام الطيب

في كل عصرٍ تظهر عبارات براقة تُرفع كشعارات، ومن أشهرها:
“نحن نتبع القول الراجح بالدليل”

حتى صار هذا الشعار عند بعض الناس معيارًا للحكم على الفقهاء والمذاهب!

لكن الحقيقة التي تحتاج إلى بيان:

أن هذه العبارة قد تتحول من منهج علمي منضبط إلى فتنة علمية إذا استُخدمت خارج سياقها الصحيح.

🧭 أولًا: ما معنى “القول الراجح” في ميزان أهل العلم؟

القول الراجح عند الأئمة ليس كلمة تُقال بإطلاق، بل هو:

قولٌ رُجِّح وفق قواعد علمية دقيقة داخل مدرسة فقهية معتبرة، بعد نظرٍ جماعي وتراكم علمي طويل.

فالترجيح في حقيقته:
✔ علم له أصول
✔ وصناعة لها أدوات
✔ ومقام لا يُحسنه كل أحد

🧭 ثانيًا: كيف كان الترجيح بين الأقوال عبر التاريخ؟

لم يكن العلماء يتعاملون مع الفقه بعشوائية، بل وضعوا ما يُعرف بـ الرسم الفقهي، وهو:

تنظيم الأقوال داخل المذهب، وبيان مراتبها، وتحديد المعتمد منها.

فداخل كل مذهب توجد طبقات من الأقوال:
– نصوص الإمام
– روايات متعددة
– وجوه لأصحاب المذهب
– ترجيحات المحققين
– ثم المعتمد الذي تُبنى عليه الفتوى

وهذا ما سار عليه أئمة المذاهب الأربعة:

🧭 ثالثًا: من الذي يقوم بالترجيح؟

الترجيح ليس لكل من قرأ حديثًا أو اطّلع على دليل، بل هو من شأن:

– الأئمة المجتهدين
– ثم كبار المحققين في المذاهب

مثل:
الذين لم يكونوا يعيدون اختراع الفقه، بل:
ينقّحون، ويرتبون، ويُرجّحون وفق أصول المذهب

🧭 رابعًا: أين تقع الفتنة؟

تبدأ الفتنة حين يُختزل الترجيح في عبارة:
“الدليل قال كذا، إذن هذا هو الراجح”

وكأن:
– النصوص لم تُفهم إلا الآن!
– والأئمة لم ينظروا في الأدلة!
– والتراث الفقهي كله مجرد آراء قابلة للإلغاء!

وهذا في حقيقته:
🚫 إهدار لمنهج علمي متكامل
🚫 وفتح لباب الفوضى في الفتوى
🚫 وجعل كل إنسان حَكَمًا على الشريعة بعقله المحدود

🧭 خامسًا: الفرق بين منهجين

🔹 منهج أهل المذاهب (الرسم الفقهي)
– ترجيح منضبط
– قائم على قواعد
– يعتمد التراكم العلمي
– يفرّق بين القوي والضعيف داخل المذهب

🔹 منهج “الترجيح بالدليل” عند غير المتخصصين
– انتقاء نصوص دون جمعها
– إغفال طرق الجمع والترجيح
– تجاهل فهم السلف والأئمة
– إصدار أحكام سريعة بلا أدوات

🧭 سادسًا: هل الترجيح بالدليل باطل؟

ليس باطلًا في نفسه،
لكن له أهله.

فالترجيح المباشر بين الأدلة:
✔ مقام المجتهد المطلق
✔ يحتاج علومًا متعددة (الحديث، الأصول، اللغة، المقاصد…)
أما غير ذلك،

فالأصل في حقه:
الالتزام بالمذهب المعتمد، أو سؤال أهل العلم

🧭 سابعًا: لماذا كان الرسم الفقهي ضرورة؟

لأنه:
✔ يمنع اضطراب الفتوى
✔ يحفظ وحدة المنهج
✔ يضبط الأقوال المتكاثرة
✔ يجعل الفقه علمًا مؤسسيًا لا آراء فردية

🧭 ثامنًا: من أخطر الانحرافات
– تحويل “القول الراجح” إلى شعار بلا ضوابط
– اتهام المذاهب بمخالفة الدليل
– القفز على قرون من التحقيق العلمي
– تتبع ما يوافق الهوى تحت اسم “الدليل”


📝 الخلاصة
القول الراجح ليس:
❌ ما تراه أنت راجحًا
❌ ولا ما وافق فهمك السريع للنص

بل هو:

✔ ما رُجِّح وفق أصول معتبرة
✔ داخل مدرسة فقهية منضبطة
✔ على يد أهل الاختصاص

✨ كلمة أخيرة

من أراد السلامة في دينه،
فليعلم أن الفقه ليس ساحةً مفتوحة لكل أحد،
وأن أعظم أسباب الزيغ:
الجرأة على الترجيح بلا أدواته
فالزم طريق العلماء،
تفُز بالعلم… وتسلم من الفتنة.

د : عصام الطيب

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.