فتنة القول الراجح بين المذاهب الأربعة المعتبرة وبين أدعياء القول الراجح بالدليل
adminaswan 31 مارس، 2026منوعاتالتعليقات على فتنة القول الراجح بين المذاهب الأربعة المعتبرة وبين أدعياء القول الراجح بالدليل مغلقة129 زيارة
الدكتور : عصام الطيب
في كل عصرٍ تظهر عبارات براقة تُرفع كشعارات، ومن أشهرها: “نحن نتبع القول الراجح بالدليل”
حتى صار هذا الشعار عند بعض الناس معيارًا للحكم على الفقهاء والمذاهب!
لكن الحقيقة التي تحتاج إلى بيان:
أن هذه العبارة قد تتحول من منهج علمي منضبط إلى فتنة علمية إذا استُخدمت خارج سياقها الصحيح.
أولًا: ما معنى “القول الراجح” في ميزان أهل العلم؟
القول الراجح عند الأئمة ليس كلمة تُقال بإطلاق، بل هو:
قولٌ رُجِّح وفق قواعد علمية دقيقة داخل مدرسة فقهية معتبرة، بعد نظرٍ جماعي وتراكم علمي طويل.
فالترجيح في حقيقته: علم له أصول وصناعة لها أدوات ومقام لا يُحسنه كل أحد
ثانيًا: كيف كان الترجيح بين الأقوال عبر التاريخ؟
لم يكن العلماء يتعاملون مع الفقه بعشوائية، بل وضعوا ما يُعرف بـ الرسم الفقهي، وهو:
تنظيم الأقوال داخل المذهب، وبيان مراتبها، وتحديد المعتمد منها.
فداخل كل مذهب توجد طبقات من الأقوال: – نصوص الإمام – روايات متعددة – وجوه لأصحاب المذهب – ترجيحات المحققين – ثم المعتمد الذي تُبنى عليه الفتوى
وهذا ما سار عليه أئمة المذاهب الأربعة:
ثالثًا: من الذي يقوم بالترجيح؟
الترجيح ليس لكل من قرأ حديثًا أو اطّلع على دليل، بل هو من شأن:
– الأئمة المجتهدين – ثم كبار المحققين في المذاهب
مثل: الذين لم يكونوا يعيدون اختراع الفقه، بل: ينقّحون، ويرتبون، ويُرجّحون وفق أصول المذهب
رابعًا: أين تقع الفتنة؟
تبدأ الفتنة حين يُختزل الترجيح في عبارة: “الدليل قال كذا، إذن هذا هو الراجح”
وكأن: – النصوص لم تُفهم إلا الآن! – والأئمة لم ينظروا في الأدلة! – والتراث الفقهي كله مجرد آراء قابلة للإلغاء!
وهذا في حقيقته: إهدار لمنهج علمي متكامل وفتح لباب الفوضى في الفتوى وجعل كل إنسان حَكَمًا على الشريعة بعقله المحدود
خامسًا: الفرق بين منهجين
منهج أهل المذاهب (الرسم الفقهي) – ترجيح منضبط – قائم على قواعد – يعتمد التراكم العلمي – يفرّق بين القوي والضعيف داخل المذهب
منهج “الترجيح بالدليل” عند غير المتخصصين – انتقاء نصوص دون جمعها – إغفال طرق الجمع والترجيح – تجاهل فهم السلف والأئمة – إصدار أحكام سريعة بلا أدوات
سادسًا: هل الترجيح بالدليل باطل؟
ليس باطلًا في نفسه، لكن له أهله.
فالترجيح المباشر بين الأدلة: مقام المجتهد المطلق يحتاج علومًا متعددة (الحديث، الأصول، اللغة، المقاصد…) أما غير ذلك،
فالأصل في حقه: الالتزام بالمذهب المعتمد، أو سؤال أهل العلم
سابعًا: لماذا كان الرسم الفقهي ضرورة؟
لأنه: يمنع اضطراب الفتوى يحفظ وحدة المنهج يضبط الأقوال المتكاثرة يجعل الفقه علمًا مؤسسيًا لا آراء فردية
ثامنًا: من أخطر الانحرافات – تحويل “القول الراجح” إلى شعار بلا ضوابط – اتهام المذاهب بمخالفة الدليل – القفز على قرون من التحقيق العلمي – تتبع ما يوافق الهوى تحت اسم “الدليل” –
الخلاصة القول الراجح ليس: ما تراه أنت راجحًا ولا ما وافق فهمك السريع للنص
بل هو:
ما رُجِّح وفق أصول معتبرة داخل مدرسة فقهية منضبطة على يد أهل الاختصاص – كلمة أخيرة
من أراد السلامة في دينه، فليعلم أن الفقه ليس ساحةً مفتوحة لكل أحد، وأن أعظم أسباب الزيغ: الجرأة على الترجيح بلا أدواته فالزم طريق العلماء، تفُز بالعلم… وتسلم من الفتنة.