في كل عصرٍ تظهر عبارات براقة تُرفع كشعارات، ومن أشهرها: “نحن نتبع القول الراجح بالدليل”
حتى صار هذا الشعار عند بعض الناس معيارًا للحكم على الفقهاء والمذاهب!
لكن الحقيقة التي تحتاج إلى بيان:
أن هذه العبارة قد تتحول من منهج علمي منضبط إلى فتنة علمية إذا استُخدمت خارج سياقها الصحيح.
أولًا: ما معنى “القول الراجح” في ميزان أهل العلم؟
القول الراجح عند الأئمة ليس كلمة تُقال بإطلاق، بل هو:
قولٌ رُجِّح وفق قواعد علمية دقيقة داخل مدرسة فقهية معتبرة، بعد نظرٍ جماعي وتراكم علمي طويل.
فالترجيح في حقيقته: علم له أصول وصناعة لها أدوات ومقام لا يُحسنه كل أحد
ثانيًا: كيف كان الترجيح بين الأقوال عبر التاريخ؟
لم يكن العلماء يتعاملون مع الفقه بعشوائية، بل وضعوا ما يُعرف بـ الرسم الفقهي، وهو:
تنظيم الأقوال داخل المذهب، وبيان مراتبها، وتحديد المعتمد منها.
فداخل كل مذهب توجد طبقات من الأقوال: – نصوص الإمام – روايات متعددة – وجوه لأصحاب المذهب – ترجيحات المحققين – ثم المعتمد الذي تُبنى عليه الفتوى
وهذا ما سار عليه أئمة المذاهب الأربعة:
ثالثًا: من الذي يقوم بالترجيح؟
الترجيح ليس لكل من قرأ حديثًا أو اطّلع على دليل، بل هو من شأن:
– الأئمة المجتهدين – ثم كبار المحققين في المذاهب
مثل: الذين لم يكونوا يعيدون اختراع الفقه، بل: ينقّحون، ويرتبون، ويُرجّحون وفق أصول المذهب
رابعًا: أين تقع الفتنة؟
تبدأ الفتنة حين يُختزل الترجيح في عبارة: “الدليل قال كذا، إذن هذا هو الراجح”
وكأن: – النصوص لم تُفهم إلا الآن! – والأئمة لم ينظروا في الأدلة! – والتراث الفقهي كله مجرد آراء قابلة للإلغاء!
وهذا في حقيقته: إهدار لمنهج علمي متكامل وفتح لباب الفوضى في الفتوى وجعل كل إنسان حَكَمًا على الشريعة بعقله المحدود
خامسًا: الفرق بين منهجين
منهج أهل المذاهب (الرسم الفقهي) – ترجيح منضبط – قائم على قواعد – يعتمد التراكم العلمي – يفرّق بين القوي والضعيف داخل المذهب
منهج “الترجيح بالدليل” عند غير المتخصصين – انتقاء نصوص دون جمعها – إغفال طرق الجمع والترجيح – تجاهل فهم السلف والأئمة – إصدار أحكام سريعة بلا أدوات
سادسًا: هل الترجيح بالدليل باطل؟
ليس باطلًا في نفسه، لكن له أهله.
فالترجيح المباشر بين الأدلة: مقام المجتهد المطلق يحتاج علومًا متعددة (الحديث، الأصول، اللغة، المقاصد…) أما غير ذلك،
فالأصل في حقه: الالتزام بالمذهب المعتمد، أو سؤال أهل العلم
سابعًا: لماذا كان الرسم الفقهي ضرورة؟
لأنه: يمنع اضطراب الفتوى يحفظ وحدة المنهج يضبط الأقوال المتكاثرة يجعل الفقه علمًا مؤسسيًا لا آراء فردية
ثامنًا: من أخطر الانحرافات – تحويل “القول الراجح” إلى شعار بلا ضوابط – اتهام المذاهب بمخالفة الدليل – القفز على قرون من التحقيق العلمي – تتبع ما يوافق الهوى تحت اسم “الدليل” –
الخلاصة القول الراجح ليس: ما تراه أنت راجحًا ولا ما وافق فهمك السريع للنص
بل هو:
ما رُجِّح وفق أصول معتبرة داخل مدرسة فقهية منضبطة على يد أهل الاختصاص – كلمة أخيرة
من أراد السلامة في دينه، فليعلم أن الفقه ليس ساحةً مفتوحة لكل أحد، وأن أعظم أسباب الزيغ: الجرأة على الترجيح بلا أدواته فالزم طريق العلماء، تفُز بالعلم… وتسلم من الفتنة.