
إن الله بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لسانًا معبرًا عن عوارف المعارف, مخبرًا عن لطائف العواطف, يقطع به ما اتصل من الجهل, ويخمد به ما ثار من السخف, وينير به ما أظلم من هوس النفس, ويحقق به ما اضطرب من رأي الهوى, وإنا لما دفعنا في وقتنا هذا إلى زمن طال فيه على أرباب الفضائل أرباب الرذائل, وجال فيه بالمقال على الأماثل من ليس لهم بالمماثل, تعين علينا أن نفصح لأهل الوسائل, وتبين لدينا أن نوضح ما التبس على الأفاضل ببيان الحق لمن أعرض عنه لما جهله, وتقريب الطريق عمن قصد أن يصله.
-إلى أن قال-: فلما أمر الله بالاقتفاء لأهل الاصطفاء, والإقتداء بذوي الاهتداء, ورأيت ما ظهر في زماننا هذا من اعتناء العوام بأهل الادعاء والأتباع للأهواء, لفقد نور العرفان المميز بين مراتب الأصفياء, بذلت ما في الوسع من النصح للجاهل, وأقمت ما رسمت في هذا الموضع مقام الحكم الفاصل, نوضح فيه ما التبس من حال العالم بالجاهل, والناقص بالفاضل, والحالي بالعاطل, ونفصح فيه عن بيان الفرق بين طرق الحق والباطل في سيرة من ظهر في زي القوم في الخدمة والصورة وهو عن المغني المعني بالاعتناء به بينهم زائل, وعلى المراعاة لرعونات نفسه عاكف, وفي فسح المحال في ضلالها جائل, وعن تأدبها بالآداب المرعية في طريق الأبواب المرضية حائل.
وقد دفعنا لوقت ظهر فيه اللغط, وكثر فيه الغلط واشتهر في أفعال أهله الشطط, ولا سيما من أجري عليه من الصلحاء رسم التصوف واسم الفقراء, فإن هذا اسم من أعز الأسماء, والمتصف بصفة أهله عظيم قدره عند رب السماء, لكن تلك النعوت المعهودة تبدلت بضدها, والأخلاق المحمودة منهم عادت ذميمة عند عدها, وجلهم بل أجلهم يدعى سلوك الطريق, وما مشى على حدها, فلا مصطلح القوم يعلمون, ولا بما مضى من سيرتهم يعملون, ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة: من آية 156]. أشبهوهم بالظاهر في الصورة, وباينوهم في السيرة, في المعاني المستورة, فهم كما قال القائل:
أمَّا الخيام فإنها كخيامهم
*وأرى نساء الحيّ غير نسائها
صوت الأزهريين