الأربعاء , مايو 20 2026

حين يختفي الأمل: كيف يقود ضعف الإيمان إلى الهلاك؟


بقلم أ.د : أحمد حمدى سلام

الانتحار جريمة من أكبر الكبائر، تتسبب فيها عوامل متعددة يرجع حاصلها إلى سببين رئيسين:

السبب الأول:

ضعف الإيمان في قلب مرتكبها، أو زوالُه بالكلية.

والثاني: المرض النفسي الشديد.

لا شك أن زماننا هذا يشهد تراجعًا كبيرًا في أحوال الناس الإيمانية، فموجات الإلحاد قد زادت نسبتها، وانتشر التدين السطحي غير القائم على أساس من إيمان المرء العميق بربه سبحانه وتعالى، وقربه منه، وحبه له، وركونه إليه في سرائه وضرائه، والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى مما عاناه الإنسان في الدنيا من متاعب مهما بلغ حجمها، ومن الملاحظ أن هذا التراجع الإيماني قد صحبه ازديادُ حالات الإقبال على الانتحار لمواجهة المشكلات الحياتية، ففي العالم اليوم قرابة المليون حالة انتحار سنويًا، ويقابلها عدة ملايين من المحاولات التي تم إنقاذ أصحابها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولمحاولة تفسير هذه العلاقة العكسية بين الإيمان والانتحار، وكيف أنه كلما نقص الإيمان ازداد رصد حالات الانتحار، نجد أن المُلحد أو ضعيف الإيمان يُصاب بالمصيبة من مصائب الدنيا لا يجد له معينًا عليها ولا أملًا في الخلاص منها، لأنه لا يؤمن بالله تعالى، لا يؤمن بالقوة العليا الخارجة عن أسباب البشر والقادرة على إنقاذه مما هو فيه، ولا يؤمن بلُطف الله الخفي، والرحمة السائرة في العالمين، فيُقدِم على الانتحار.

أما المؤمن فتنزل به المصيبة أيًا ما كانت، وأيًا ما كان حجمها، من مشكلات اقتصادية أو مواجهة تنمر، أو مرض عضال، أو إدمان لا يستطيع أن يتخلص منه، ويشعر بالذنب تجاه أهله، أو موت عزيز، فيستمسك بحبل الله، ويقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمّ أنت وهبت وأنت أخذت، فلا حول ولا قوة إلا بك”.

إن المؤمن يعتقد اعتقادًا راسخًا أن عند ربه مخرجًا من همه مهما زاد عليه، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)}.

ولا يُقدم الإنسان على أزهاق روحه إلا في حال غفلة عن الله تعالى وعن الإيمان به، وبرحمته وقدرته سبحانه على حل مشكلاته، فيسيطر الشيطان والجهالة على نفسه، وقد حذر الله تعالى من الإقدام على هذه الجريمة النكراء لأن حياة الإنسان هبة خالقها ليس له التعدي عليها، قال تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)”،

وقد ذُيلت الآية الكريمة بذكر رحمته سبحانه، فالله تعالى رحيم بمن ضاقت عليه الدنيا، وظن أن الموت هو السبيل الوحيد للراحة، رحيم بمن غلبته هموم الدنيا، فيزيلها عنه أو يرزقه التحمل، رحيم بمن غلبه المرض فيشفيه أو يرزقه الصبر عليه، رحيم بمن غلبه الفقر فيُغنيه أو يعينه على أعبائه، وهكذا فالإنسان لا يحتاج في مواجهة وسوسة الشيطان بالانتحار في لحظات الضعف إلا إلى الإيمان بالله، ومتى ذهب الإيمان تعرى الإنسان وأصبح لقمة سائغة للأفكار الشيطانية والوساوس الخبيثة، أصبح كالجسد الفاقد للمناعة يمكن لأي فيروس قتله، لذا نلاحظ أن الانتحار لا ينشط إلا في البيئات المُلحدة التي نسيت خالقها ولم تعد تؤمن بالقوي المسيطر على الكون والذي بيده كل شيء.

فمثلًا الدول الإسكندنافية، السويد والنرويج والدنمارك، أغنى دول العالم، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ولديهم أفضل نظم الرعاية الطبية، والاجتماعية، والحقوقية، والتعليمية، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب الانتحار.

فدولة السويد مثلا هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار!!

ويقول دايل كارنيجي: “إن عدد الأمريكيين الذين يُقبلون على الانتحار هو أكثر بكثير من الذين يموتون نتيجة للأمراض الخمسة الفتَّاكة”.

تحت عنوان “الأبحاث العلمية تثبت أن الملحدين أكثر الناس يأساً!” يقول الأستاذ عبد الدايم الكحيل: “ففي دراسة حديثة تبين أن الملحدين هم أكثر الناس يأساً وإحباطاً وتفككاً وتعاسة!!! ولذلك فقد وجدوا أن أعلى نسبة للانتحار على الإطلاق كانت بين الملحدين واللادينيين، أي الذين لا ينتسبون لأي دين، بل يعيشون بلا هدف وبلا إيمان.

فقد أكدت الدراسات العلمية المتعلقة بالانتحار أن أكبر نسبة للانتحار كانت في الدول الأكثر إلحادًا وعلى رأسها السويد التي تتمتع بأعلى نسبة للإلحاد. أما الدنمارك فكانت ثالث دولة في العالم من حيث نسبة الإلحاد حيث تصل نسبة الملحدين (واللادينيين) إلى 80 %، وليس غريبًا أن تصدر منها الرسوم التي تستهزئ بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم”.

بينما نجد الدول الإسلامية – مع ما فيها من مشكلات وفقر – تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم.

إن مشكلات الدنيا كبيرة، وأثرها على الناس يختلف باختلاف عمقها وحجمها، وباختلاف قوة تحمل الإنسان التي تختلف من شخص لآخر، وقوة التحمل التي تعين الإنسان على مواجهة الصعاب، وتقلل من تأثير المشكلات عليه تُستمد أول ما تُستمد من الإيمان بالله تعالى، فإذا خلا الإنسان من الإيمان تسلل اليأس إليه وأصبح لقمة سائغة للمشكلات تعصف به في مهاوي لا يعلم مداها إلا الله وحده.

ولقد حذر الله تعالى من الوصول إلى مرحلة اليأس من رحمة الله فاليأس هو الخطوة السابقة على الانتحار، وهو من صفات الكافرين الذين لا يؤمنون بربٍ رحيم قدير، “وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)”.

أما المؤمن ففي طمأنينة دائمة بروح ربه، وفي أُنس من إيمانه، وفي ثقة بقرب ربه منه وهو في أحلك المواقف، وأشد الظروف.

والحياة للمسلم خير في كل أحوالها، فإن كان صالحًا فعسى حياته أن تزيد صلاحه، وإن كان عاصيًا فله في الحياة فرصة للتوبة وإصلاح ما أفسد؛ لذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتمنى المسلم الموت فضلًا عن الإقدام عليه لأي بلاء يُصيبه، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي” متفق عليه.

أما الإقدام الفعلي على ارتكاب جريمة الانتحار فعقوبته عظيمة عِظَم هذا الذنب.

ونقول لمن يرى في تلك الفعلة البشعة والجريمة النكراء حلًا لمشكلته:

اتق الله أولًا، ولا تنازعه في ملكه فالروح ملك الله هو وهبها، وهو من يستردها وقت شاء، وفكر بعقلك ثانيًا، فأنت تتخلص من بلاء صغير يُحتمل بالوقوع في بلاء عظيم لا يُحتمل، فالدنيا بما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا تُمثل أنت ومشكلتك فيها؟! وما من هم من هموم الدنيا إلا وهو منقطع زئل ولو بالموت، أما الانتحار فمعاناته وعقابه الله وحده يعلم قدر عِظَمهما وألمهما ومدتهما!

وأذكرك بهذا الحديث بأن شقاء الدنيا كلها لا يساوي غمسة واحدة في الجنة التي تفوز بها بصبرك ورضاك، وأن نعيم الدنيا كلها لا يعوض لحظة واحدة في النار التي يدخلها من يُغضب ربه سبحانه وتعالى:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ” أخرجه مسلم.

وخلاصة الأمر أن الإسلام واجه ظاهرة الانتحار بثلاثة طرق مثالية متكاملة:

أولًا: استخدام إيمان المسلم وقداسة الأمر والنهي الإلهي عنده لنهيه عن الإقدام على الانتحار: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}.

ثانيًا: تقديم الدعم المعنوي: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)}.

ثالثًا: التخويف بالعقاب الرادع لكل من يُقدم على تلك الجريمة: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)}.

من كتاب 《مشكل أحاديث الانتحار 》

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.