تجريد النبي ﷺ من السيادة قراءة في خلل الخطاب السلفي
adminaswan
4 أكتوبر، 2026
فتاوى وقضايا
5 زيارة

من خصائص الخطاب السلفي المعاصر، فيما يتعلق بالجناب النبوي الشريف؛ أنه يذكر اسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مجردا من لفظ السيادة، ومن كل ما ينبئ عن تعزيره وتوقيره صلوات الله وسلامه عليه، المندوب إليهما في قوله تعالى:”وتعزروه وتوقروه”، والمنهي عن ضدهما في قوله تعالى: “لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا”!
وأكثر ما يذكرونه صلى الله عليه وسلم بلفظ: (نبينا محمد)، ويعتبرون هذا أدبا معه، وهذا خطأ محض، وغلط ظاهر؛ فإن النبوة والرسالة ألقاب مستحقة له، بل اسمه الشريف المجرد علم على خاتم الأنبياء والمرسلين، والأدب شيء زائد عن هذا القدر المستحق، فمن قال لأستاذه مثلا: (يا دكتور)؛ فقد أعطاه حقه المستحق، ولم يتفضل عليه بشيء، ومن قال له: (يا شيخنا أو يا أستاذنا أو يا سيدنا أو يا مولانا)؛ فقد جاء بالأدب، وكلما زاد في احترامه زاد في الأدب؛ لهذا رأينا أهل الأدب يصفونه صلى الله عليه وسلم بالجناب، والسيد، والسند، والحبيب، والشفيع، والإمام، والقدوة، وخير الخلق، وأشرف البشر، وخاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وصخرة الكونين، وعروس الثقلين، وغيرها من الألقاب الفخمة المنبئة عن الأدب مع حضرته صلى الله عليه وسلم ، على نحو ما يقول صاحب البردة الشريفة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهمو
واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم!
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم!
وما رأيت سلفيا معاصرا إلا وهو يتحاشى و يتورع عن ذكر لفظ السيادة لحضرته صلى الله عليه وسلم، في غير عبادة مشروعة كالأذان والتشهد، مع أن المنصوص عليه عند السادة الشافعية؛ ذكر السيادة في التشهد، بل ألف الحافظ أحمد بن الصديق الغماري كتابا سماه: (تشنيف – إمتاع – الآذان، بأدلة استحباب السيادة عند اسمه صلى الله عليه وسلم، في التشهد والإقامة والأذان)، حشد فيه جملة صالحة من الأدلة على استحباب ذلك!
بل قال بعض العارفين: ولا ينبغي أن تترك السيادة؛ فإن لها سرا عظيما!
وقد أثرت الآلة الإعلامية الضخمة للحركة السلفية في الترويج لهذا المسلك الجافي، حتى تأثر به بعض الأزاهرة، وقلدهم العوام!
وكأن تعظيم أي مخلوق عند هؤلاء – حتى ولو كان سيد المخلوقين وحبيب رب العالمين – خدش في وجه العقيدة، وانتهاك لجناب التوحيد، الذي يدعون الناس إليه، وتسلل إلى العقيدة الشركية، بإعطاء ما لله لغير الله؛ فإن السيد هو الله لا سواه – زعموا – وهذه كلها أوهام في أوهام، وهلاوس ووساوس، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور!
فإن الله تعالى أخبر عن نبيه يحيى بقوله: “وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين”، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه بقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر”، أي لا أقول ذلك فخرا، بل هو من جملة الوحي المأمور بتبليغه، فلو كتمته فقد كتمت شيئا من الوحي، وما يكون لي ذلك!
فإذا كان سيدهم في الآخرة حيث لا سيد إلا الله؛ فكيف لا يكون سيدهم في الدنيا، مع كثرة أدعياء السيادة؟!
فهو سيد السادات حقا، والمفضل على جميع المخلوقات صدقا!
قال شيخنا الخطيب – رضي الله عنه -:
يا سيد السادات يا من قدره
لا تستطيع له الورى إدراكا!
ماذا يقول الناس فيك وربهم
بأتم تربية له رباكا؟!
ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم قط، أنه قال: “لا تسيدوني في الصلاة”، ولا نطقت به شفتاه، ولو صح فما بال تسويده خارج الصلاة!
وإني لأعجب من تجريدهم إياه صلى الله عليه وسلم من لفظ السيادة ونحوها، ووصفهم ابن تيمية بشيخ الإسلام، وابن عبد الوهاب بالإمام المجدد، فهل هذا إلا من فساد الضمائر، وانطماس البصائر؟!
وبالجملة: فإذا رأيت أحدا يجرده صلى الله عليه وسلم من لفظ السيادة في غير عبادة؛ فاعلم أنه سلفي مغشوش، ولو كانت لحيته كالعهن المنفوش، فقد كان السلف الصالح حقا؛ أعظم أدبا، وأكثر احتراما، وأشد توقيرا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ من هؤلاء الأدعياء المناكيد!
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأدب التام، مع حضرته عليه الصلاة والسلام!
ا.د : محمد إبراهيم العشماوي