مَدَد.. كلمة بين المحبة والعقيدة
adminaswan
4 أكتوبر، 2026
فتاوى وقضايا
5 زيارة

بقلم الشيخ : عمر عبداللاه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه مصابيح الهداية وأنوار العطاء الموصول إلى يوم القيامة.
مقدمة
من الكلمات التي كثيرًا ما نسمعها في مجالس المحبين وأهل التصوف كلمة «مَدَد»؛ كلمة قصيرة في مبناها، واسعة في معناها، ارتبطت في وجدان كثير من الناس بالمحبة والرجاء والاستمداد من أهل الصلاح. غير أن هذه الكلمة أثارت في الوقت نفسه جدلًا واسعًا حول معناها ومشروعيتها، حتى صار البعض يحكم عليها بمجرد سماعها، دون أن يتوقف عند أصلها اللغوي، أو سياق استعمالها، أو مراد قائلها.
ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند كلمة «مَدَد»
وقفة علمية هادئة، لا تقوم على الخصومة أو سوء الظن، وإنما على فهم اللغة، واستحضار النصوص الشرعية، والنظر في كلام العلماء وأهل المعرفة؛ لنميز بين المدد باعتباره عونًا وسببًا، وبين الاعتقاد بأن المخلوق يستقل بالعطاء والتأثير، فشتان بين الأمرين.
إنها محاولة لفهم كلمةٍ شاعت على ألسنة المحبين، ووضعها في موضعها الصحيح، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، مع بقاء الأصل الذي لا خلاف عليه: أن الله سبحانه وتعالى هو الممدُّ الحقيقي، ومنه كل فضل، وإليه يرجع كل أمر.
كلمة «مَدَد» من الكلمات التي تتردد كثيرًا في الخطاب الصوفي، فيقول المحب: «يا رسول الله مدد»، أو يقول: «مدد يا سيدي فلان». وقد يلتبس معناها على بعض الناس، فيظنون أن مجرد إطلاقها يحمل معنى عقديًا واحدًا لا يحتمل غيره، بينما اللغة والسياق وقصد المتكلم أمور مهمة في فهم المراد.
و«المَدَد» في أصل اللغة هو الزيادة والعون والإمداد، ومنه قول الله تعالى:
(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ)
فالمدد في ذاته ليس إلهًا ولا خالقًا، وإنما هو عطاء أو إعانة أو سبب من الأسباب، وأصل كل مدد وفضل هو الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا يمكن فهم استعمال الصالحين لهذه الكلمة؛ فحين يقول المحب: «مدد يا سيدي»، فقد يقصد طلب الدعاء أو الاستمداد المعنوي أو التعبير عن شدة المحبة والتعلق بالصالحين، مع اعتقاده أن الله وحده هو المعطي حقيقةً، وأن الأسباب لا تستقل بالتأثير.
وهذا المعنى له نظائر في كلام الناس؛ فنحن نقول: «يا أبي ساعدني»، و«يا أخي أعنّي»، و«أدركني يا فلان»، ولا يعني ذلك أن المخاطَب خالق للنفع أو الضر، وإنما هو طلب لما يقدر عليه في العادة.
والقرآن نفسه أثبت طلب العون من المخلوق في الأمور التي تدخل في قدرته، قال تعالى:
(فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)
لكن القضية تصبح عقدية عندما ينسب الإنسان إلى مخلوق الاستقلال بالتصرف في الكون أو الخلق أو الإيجاد من غير الله؛ فهذه مسألة أخرى ينبغي التفريق بينها وبين مجرد استعمال لفظ «المدد».
ومن المهم كذلك أن نقرأ عبارات أهل التصوف في سياقها، فقد كان كثير من كلامهم قائمًا على المحبة والتوسل والدعاء، وعلى اعتقاد أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن الأولياء والصالحين عباد لله، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم استقلالًا عن مشيئة الله تعالى.
ولهذا فإن كلمة «مدد» تحتاج إلى فهمٍ قبل الحكم، وسؤالٍ عن المقصود قبل إطلاق الأحكام.
فالخلاف في الألفاظ لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين المسلمين، كما أن المحبة للصالحين وآل بيت النبي صلى الله على حضرته لا ينبغي أن تكون سببًا في تجاوز حدود العقيدة والتوحيد.
والميزان الذي يجمع الأمرين واضح:
نحب الصالحين، ونوقرهم، ونذكر فضلهم، ونستمد من سيرتهم الإيمان والهمة، لكن قلوبنا معلقة بالله وحده، فهو الممدُّ الحقيقي، ومنه كل فضل، وإليه يرجع كل أمر.
فإذا قيل: «مدد»، فليكن القلب قبل اللسان عالمًا بمن يعطي، ومن يمنح، ومن بيده الأمر كله.
(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه).