
د : مصطفى منصور
قبل ان نخوض في غمار النصوص، علينا ان ندرك حقيقة معرفية كبرى: ان العقل مخلوق، والله خالق. والعقل حين يتدبر الوحي، فانه يتحرك في حدود ادراك “المخلوق” للزمان والمكان. لذا، فان محاولة حصر الخالق سبحانه في تصورات عقولنا الحسية هي في الحقيقة “تخيل” لا “تعقل”، فالله ليس كمثله شيء، وعقولنا لا تدرك كنه ذاته، وانما تدرك جلال صفاته.
وتعالوا بنا نتدبر مع بعضنا فى الكلمات التالية:
تناقض الفوقية والقرب (إلزام التبعيض):
يتمسك البعض بظاهر نصوص الفوقية ويدعي انها “فوقية مكان ومسافة”، فإذا سألناهم عن قوله تعالى (ونحن اقرب اليه من حبل الوريد) لجأوو للمجاز وقالوا ” قرب إحاطة وعلم ورحمة لا قرب مسافة ومماسة”. وهنا يقعون في التناقض؛ فلماذا جعلتم الاستواء “بالذات” والقرب “بالعلم” مع ان السياق واحد؟ فإما ان تجروا الكل على الظاهر الحسي فتلتزموا بالتشبيه بالأجسام (تعالى الله عن ذلك)، وإما ان تنزهوا الله في الكل فتثبتوا علو المكانة وقرب الاحاطة والقدرة.
(ابطال القدم المكاني):
البعض يقول: “الفطرة تدل على ان الله في السماء”. والرد ان الفطرة تدل على “علو الشأن” لا “تحيز الذات”. ونسألهم: اين كان الله قبل خلق العرش والمكان؟ سيقولون: “كان ولا مكان”. فنقول: هل تغير الله بعد خلق العرش فحدث له مكان؟ ان قلتم “نعم” فقد جعلتم الله محلا للحوادث (وهذا جهل بصفات القديم)، وان قلتم “لا” فثبت أصل التنزيه عند أهل الحق: أن الله سبحانه كان قبل المكان والزمان، وهو بعد خلقهما كما كان أزلًا، لا تحويه جهة ولا يحده مكان.
قبلة الدعاء:
يحتجون برفع الايدي للسماء على ان الله “هناك”. والرد ان السماء هي “قبلة الدعاء” كما ان الكعبة “قبلة الصلاة”؛ فالمصلي لا يعتقد ان الله داخل الكعبة، والداعي لا يعتقد ان الله محصور في السماء. لا لان الله يسكن ذلك المكان؛ فالله سبحانه محيط بكل شيء علمًا وقدرةً وقهرًا، لا على معنى الإحاطة الجسمية أو الاتصال المكاني.
“الحقيقة والمجاز”:
يزعمون ان صرف الكلام عن حقيقته الحسية هو “تعطيل”. والرد ان “الحقيقة” في حق الله هي ما يليق بجلاله لا ما تدركه حواسنا. فالعلو في حق الله علو القهر والشأن لا علو المسافة والحد، والاستواء معلوم الورود في النص، مجهول الكيف، مع تنزيهه عن الجلوس والاستقرار وصفات الأجسام، وقد أولها كثير من أئمة الخلف بالاستيلاء والقهر. ولو كان الاستواء “استقرارا” لكان الله محتاجا للعرش، ولزم التركيب والافتقار ولوازم الأجسام او ان العرش اكبر من الله او مساويا له، وكل ذلك باطل عقلا ونقلا.
ميزان الاشاعرة.. :
منهج اهل الحق يقوم على قاعدة: “تنزيه جلاله عن مشابهة الحوادث”. فنحن نؤمن بكل ما جاء في الوحي مع نفي لوازم المخلوقات قطعا. فلا نجعل الاستواء استقرارا، ولا النزول حركة، لان الحركة تقتضي فراغ مكان وشغل آخر، والله منزه عن الزمان والمكان. العقيدة هي معرفة عظمة الله، فكل ما خطر ببالك، فالله خلاف ذلك.
الله سبحانه تدركه القلوب بالايمان، وتعرفه العقول بالبرهان، ولكن لا تحيط به الفكرة، فهو الغيب المطلق المنزه عن “اين” وعن “كيف”، المحيط بكل شيء بقدرته، الذي لا يحويه مكان ولا يحده زمان.
صوت الأزهريين