
بقلم الدكتور : عادل المراغي
الشبهة الخامسة: طهارة الكلب وعدم نجاسته
أولا – عرض الشبهة :
ذهب الدكتور سعد الدين الهلالي إلى أن الكلب طاهر العين (جسده وشعره ولعابه)، وأنه لا ينجس ما مسه، وأن الأمر بغسل الإناء من ولوغه هو “أمر تعبدي” أو “صحي” لا علاقة له بالنجاسة، مؤكدًا أن اقتناء الكلاب في البيوت لا يمنع من طهارة المكان أو الثياب.
توثيق الشبهة :
صرح بذلك في لقاءات ببرنامج «وإن أفتوك»، وفي مداخلة مطولة ببرنامج كل يوم، زاعماً أن هذا هو مذهب الإمام مالك، وأن الفقهاء شددوا في المسألة بغير دليل قوي.
مصدر الشبهة عنده :
استند بشكل أساسي إلى “أصل الطهارة” في الأشياء، وإلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِما أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ ) المائدة :٤، قائلًا: “لو كان لعابه نجسًا لأمرنا الله بغسل ما أمسكه الكلب الصيد بفيه”.
ثانياً – الرد من السنة النبوية:
جاءت السنة النبوية القولية والفعلية صريحة في إثبات نجاسة ولوج الكلب، وهو ما يستلزم نجاسة عينه ولعابه:
حديث ولوغ الكلب : عن أبي هريرة رب الله عنه أن رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «طُهُورُ إناء أحدِكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرابِ» أخرجه مسلم (۲۷۹)، وأحمد (٩٤٨٥).
وجه الاستدلال :
قوله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ “طُهُورُ” يدل على أن الإناء صار «نجساً»، إذ الطهارة لا تكون إلا من حدث أو نجس. والتغليظ بسبع غسلات إحداهن بالتراب دليل قطعي على نجاسة اللعاب وهو مستقر في جوف الكلب وبدنه.
حديث نقص الأجر:
عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ قال : قال رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : « من اتخذ كلبًا، إلا كلب ماشية ، أو صيد ، أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط» أخرجه البخاري (۲۳۲۲)، ومسلم (١٥٧٥).
وجه الاستدلال : النهي عن اتخاذ الكلب لغير ضرورة، والوعيد بنقص الأجر، يؤكد أن وجوده في بيئة المسلم (التي هي محل للصلاة والطهارة) أمر منبوذ شرعًا، ولو كان طاهرًا لما ترتب على قربه هذا الأثر.
ثالثا – أقوال الأئمة الأربعة :
خلافاً لما يروجه الدكتور الهلالي من أن المسألة «هيئة»، فإن جمهور الفقهاء على نجاسة الكلب، حتى المالكية الذين قالوا بطهارة عينه أوجبوا غسل الإناء تعبدا:
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع» للكاساني (١/63): «أما الكلب فنجس العين عند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة.
وقال محمد نجس اللعاب والجوهر (البدن) طاهر.. والصحيح أن عينه نجسة لأن لعابه نجس، واللعاب يتولد من اللحم، فدل على نجاسة لحمه».
مذهب الشافعية جاء في «المجموع للنووي (٢/ ٥٨٤):
مذهبنا أن الكلب كله نجس شعره وجلده ولعابه ودمه وبوله وعرقه.. وهذا قول أحمد بن حنبل وداود الظاهري». واستدلوا بحديث السبع غسلات والتراب.
مذهب الحنابلة : جاء في «المغني لابن قدامة (١ / ٤٥):
«الكلب والخنزير وما تولد منهما نجس، وعرقهما وجميع ما خرج منهما نجس، ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا إحداهن بالتراب».
مذهب المالكية (تفنيد الاستخدام):
يزعم الهلالي أن المالكية يقولون بطهارته مطلقا، والحقيقة أن الإمام مالك وإن قال بطهارة عينه (لأنه حيوان حي)، إلا أنه أوجب غسل الإناء سبعا إذا ولغ فيه «تعبدا».
جاء في المدونة» (١/ ١٣٤): «قال مالك في الكلب يلغ في الإناء: يغسل سبع مرات، وإن ولغ في اللبن أُكل اللبن (عندهم) وغسل الإناء». فالإمام مالك لم يفتح الباب لاقتنائه في البيوت ولا لإهدار حديث “السبع والتراب”.
رابعا – تفنيد الأساس المنطقي للشبهة (آية الصيد ):
رد الفقهاء على الاستدلال بآية الصيد (فكلوا مما أمسكن عليكم) بما يلي:
أن الشرع عفا عن “موضع عض الكلب” في الصيد للمشقة والحاجة، والعفو عن النجاسة في حالة معينة لا يعني زوال وصف النجاسة” عن الحيوان نفسه.
ولهذا اشترط الفقهاء غسل موضع العض إذا أمكن، ومنهم من جعل إباحة الأكل رخصة خاصة بالصيد، لا تُقاس عليها طهارة لعاب الكلب في الإناء أو الثوب.
الخلاصة:
قول الدكتور الهلالي بطهارة الكلب وإباحة مخالطته في البيوت بلا ضرورة هو مصادمة لحديث «طهور إناء أحدكم» ومخالفة لما استقر عليه العمل في المذاهب المتبوعة.