هل ثبت قول الإمام مالك: “الاستواء معلوم”؟
adminaswan
7 فبراير، 2026
عقيدة السلف الصالح
10 زيارة

د : إبراهيم شعبان المرشدى
هل ثبت قول الإمام مالك: “الاستواء معلوم”؟.
لا شك أن أصل قصة سؤال الإمام مالك عن الاستواء ثابتة، وهي مشهورة في كتب أهل العلم بلا نزاع، ولكن إجابة الإمام مالك جاءت من خلال المرويات مضطربة اضطرابًا شديدًا، فهل قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، أم قال: الاستواء مجهول، أم لم يصرح بهذا ولا ذاك؟!.
فنحن إذن أمام ثلاثة أقوال مهمة ظهرت لنا من خلال إجابة الإمام مالك رضي الله عنه، فقد روى الدارمي واللالكائي وأبو نعيم أنه قال: “الْكَيْفُ غَيْرُمَعْقُولٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مِنْهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ»”. راجع: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 305)، الرد على الجهمية (1/66) برقم (104)، شرح أصول أعتقاد أهل السنة والجماعة (3/441)، برقم (664).
ولكن سند الدارمي فيه رجل مجهول، وهو شيخ جعفر بن عبد الله بن الصَّباح عن مالك، واللالكائي أورده عن جعفر عن مالك، وهو غير صحيح لأن جعفر بن عبد الله ليس من تلاميذ مالك أصلًا، فقد رأينا هذا اللفظ جاء عن مهدي بن جعفر تارة، وتارة يرويه عن مالك مباشرة، وتارة يرويه بواسطة جعفر بن عبد الله وهو لم يسمع من مالك، وتارة يقول عن رجل دون أن يذكر اسمه، وهذا يدلك على اضطراب شديد في سند الرواية قبل متنها.
وقد روى الإمام البيهقي نفس اللفظ من طريق يحيى بن يحيى، وفيه: أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي وهو مجهول، لم أقف له على ترجمة، ورواه الصابوني من طريق جعفر بن ميمون، وفيه: ابن مخلد القهستاني لم أقف له على ترجمة وجعفر بن ميمون حديثه في الضعفاء، ولا يحتج به، وبنفس اللفظ جاء في (طبقات المحدثين) ولكنه فيه محمد بن النعمان بن عبد السلام لم يرو عن مالك شيئًا، وإنما يروي عن تلامذته فهو منقطع أيضًا، وهذا يؤكد اضطراب الرواية كما هو معلوم عند المحدثين.
ثم إذا انتقلتَ إلى المتن، وجدتَ قريبًا من الإسناد السابق عن مهدي بن جعفر كما عند ابن عبدالبر أن مالكًا قال للسائل: “استواؤه مجهول، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذا بدعة”، ولا شك أن هذا ينقض الأول.
ثم رواه ابن عبد البر أيضًا عن أيوب بن صالح المخزومي أنه أجاب بقوله: “سألتَ عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول”.
ثم يرويه عن عبد الله بن نافع أنه قال: “استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة”. راجع: التمهيد لان عبدالبر (7/ 151، 138).
ورواه أبو المظفر السمعاني المتوفى 489هـ في تفسيره (3/ 320) عن مالك بلفظ: “الكيف غير مَعْقُول، والاستواء مَجْهُول”، وهو يوافق ما رواه ابن عبد البر، وكذا ما أورده البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 306) من قول ربيعة الرأي أستاذ مالك: “لما سئل: كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: الْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَيَجِبُ عَلِيَّ وَعَلَيْكُمُ الْإِيمَانُ بِذَلِكَ كُلِّهُ”.
وهذا الاختلاف في الألفاظ بين النفي والإثبات يؤكد ما قررناه من اضطراب الرواية، وبان لك من مجموع الروايات لفظان متناقضان: أحدهما يقول فيه: “الاستواء غير مجهول”، وثانيهما يقول فيه: “والاستواء مجهول”، أو “استواؤه مجهول”، وهما متناقضان، مما يدلك على اضطراب في السند والمتن معًا.
وأسلم وأجود ما جاء في قصة الإمام مالك من حيث الإسناد والمتن معًا ما أورده البيهقي في (الأسماء والصفات) بلفظ: “فَأَطْرَقَ مَالِكٌ وَأَخَذَتْهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ، وَكَيْفٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، أَخْرِجُوهُ، قَالَ: فَأُخْرِجَ الرَّجُلُ”. راجع: الأسماء والصفات (2/304) برقم (866).
وهذا اللفظ لم يتعرض فيه قط للاستواء، ولم يقل: الاستواء معلوم أو الاستواء مجهول”، وهذا اللفظ يتناسب مع قول الإمام مالك المشهور: “أمروها كما جاءت بلا تفسير”، وتنبَّه أن الذي جاءنا منها اللفظ لا المعنى، فنحن نثبت أن الله استوى على عرشه كما قال، وهذا ما ثبت عن الإمام مالك وغيره من السلف.
فهذه الرواية عن مالك التي فيها: “الاستواء معلوم” مضطربة سندًا ومتنًا، وعليه نتحدى الوهابية جميعًا أن يأتي أحدهم بسند صحيح ثابت لا مطعن فيه يقول فيه الإمام مالك: “الاستواء معلوم”، بل نقرر أن الثابت عنه لفظه: “{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ، وَكَيْفٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، أَخْرِجُوهُ، قَالَ: فَأُخْرِجَ الرَّجُلُ”.
قال الحافظ الذهبي عن هذه الرواية في كتاب العرش (2/ 230): ” رواه البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن وهب”، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 406، 407): “وأخرج البيهقيُّ بسندٍ جيدٍ عن عبد الله بن وهب …”.
فهذا هو الثابت من القصة بالسند الصحيح، أما ما سواه من “الاستواء معلوم”، وكذا: “الاستواء مجهول” فلا تصح أسانيدهما لاضطرابهما سندًا ومتنًا، وإن كان الثاني من حيث المعنى يوافق ما عليه السلف من تفويض المعنى والكيف، ويشهد له ما جاء عن شيخ مالك، إلا أننا لا زلنا نقول: هذا مضطرب عن مالك.
وهذا من حيث قضية السند لتلك اللفظة، أما من حيث معنى العبارة، فسنسلِّم بها جدلًا، وسنبين لك معناها في منشور آخر كما فهمها أئمة المالكية قبل ابن تيمية والوهابية، والمهم ان تعلم ان الاستواء معلوم أو مجهول كلاهما خطأ لا يثبتان عن الإمام مالك، والثابت ما ذكرناه من رواية ابن وهب،
والله تعالى أعلى وأعلم.