“المقام النبوي ليس مادة للجدل ولا ساحة للاستفزاز فلنتأدب”
adminaswan
31 يناير، 2026
أنور المصطفى
15 زيارة

بقلم الشيخ الدكتور : فارس أبو حبيب
( إمام ومدرس وخطيب بوزارة الأوقاف )
في زمن كثرت فيه الإثارات الرخيصة، عاد بعض الناس ينبشون مسألة قديمة حول نجاة والدي النبي ﷺ، لا بروح البحث العلمي الرصين، بل بأسلوب صادم يستهدف مشاعر المسلمين، ويضرب مقام النبي ﷺ في أقدس ما يتصل به: أبويه ونسبه.
وهنا يجب أن يُقال بوضوح:
إحياء هذا القول على المنابر العامة ووسائل التواصل ليس علمًا… بل خلل في الفهم، وضعف في الأدب، وسوء تربية علمية قبل أن يكون خطأ في الترجيح.
أولًا: هذه المسألة ليست من أصول العقيدة
فقد اتفق أهل العلم على أن مسألة نجاة والدي النبي ﷺ ليست من أصول الإيمان التي يُكفَّر أو يُبدَّع فيها المخالف، بل هي من مسائل الخلاف الاجتهادي.
قال الإمام السيوطي:
“هذه المسألة ليست مما يُضلَّل فيه المخالف ولا يُبدَّع، وإنما هي من دقائق مسائل العلم.”
(السيوطي، مسالك الحنفا في والدي المصطفى).
لكن السؤال الحقيقي ليس: من قال بماذا؟
بل: لماذا تُثار اليوم بين العامة؟ ولماذا تُطرح بطريقة تستفز القلوب وتكسر حرمة المقام النبوي؟
ثانيًا: القول بنجاتهما قال به أئمة كبار
ليس صحيحًا أن القول بنجاة والدي النبي ﷺ قول شاذ أو بلا سند، بل قال به عدد معتبر من العلماء، منهم:
* الإمام جلال الدين السيوطي في رسالته المشهورة: مسالك الحنفا في والدي المصطفى.
* الإمام البيهقي في دلائل النبوة، وقرّر فيه معنى الطهارة النسبية والمعنوية.
* الإمام الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾.
* الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾.
* الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية.
واستدلوا بأدلة قوية، منها:
1- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) ووالدا النبي ﷺ ماتا في زمن الفترة، ولم تقم عليهما حجة رسالة، فيدخلان في عموم الآية.
قال القرطبي:“أهل الفترة داخلون في هذا العموم، لا يعذَّبون حتى تقوم عليهم الحجة.” (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير آية الإسراء: 15).
2- حديث امتحان أهل الفترة: روى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما أن النبي ﷺ قال في أصناف منهم أهل الفترة: أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة.
وقد حسّن هذا المعنى جماعة من أهل العلم كابن كثير، وابن القيم في تقرير أصل الامتحان لأهل الفترة. (انظر: ابن كثير، تفسير سورة الإسراء؛ ابن القيم، طريق الهجرتين).
3- قوله ﷺ: “لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.” رواه الطبراني والبيهقي.
قال السيوطي: “الطهارة هنا تشمل الطهارة الحسية والمعنوية والعقدية، فلا يدخل في نسبه مشرك نجس الاعتقاد.” (مسالك الحنفا).
ثالثًا: حتى على القول الآخر… أين الأدب؟
لو افترضنا – جدلًا – أن هناك من قال غير ذلك، فالسؤال:
هل يُطرح هذا على العامة؟
هل يُقال في وسائل الإعلام؟
هل يُستعمل في الاستفزاز والمشاحنات؟
الإمام مالك رحمه الله قال: “ما كان من أمر رسول الله ﷺ فإمساك اللسان عنه أولى.” (نقله القاضي عياض في الشفا).
وقال القاضي عياض: “تعظيم النبي ﷺ فرض، وتوقيره واجب، والاستخفاف به أو بما يتصل به جناية عظيمة.” (الشفا بتعريف حقوق المصطفى).
فكيف بمن يجعل أبويه مادة للجدل، وسلاحًا للاستفزاز، وكأن النبي ﷺ شخصية تاريخية عادية لا حرمة لها؟
رابعًا: فرق بين البحث العلمي وقلة الأدب؛
* العالِم الحقيقي:
– يناقش في الدوائر العلمية.
– يراعي المقامات.
– يزن الكلمة قبل نشرها.
– يفرق بين “ما يُبحث” و”ما يُقال للعامة”.
*أما صاحب الإثارة:
– ينشر للصدمة.
– يتكلم لجذب الانتباه.
– يتجاوز الأدب باسم “المنهج”.
– ويخلط بين الجرأة العلمية وقلة الحياء العلمي
وهذا ليس علمًا… بل خلل في التربية قبل أن يكون خطأ في الفقه.
خامسًا: مقام النبي ﷺ فوق هذه المهاترات
قال الله تعالى:﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: 9)
التوقير لا يقتصر على شخصه ﷺ فقط، بل يشمل كل ما يتصل به: نسبه، وأهله، وأسرته، وتاريخه.
فمن لم يتعلم كيف يحفظ حرمة هذا المقام، فمشكلته ليست في “الدليل”… بل في القلب، وفي الذوق، وفي التربية.
*الخلاصة:
إثارت هذه المسائل بين العامة، وطرحها بصيغة صادمة، وتحويلها إلى مادة للترند والجدل، وتجاهل مقام النبي ﷺ كل ذلك ليس علمًا… بل قلة أدب، وضعف فقه في المقامات، وسوء تربية علمية وأخلاقية.
والواجب على كل مسلم:
أن يحفظ لسانه عند ذكر رسول الله ﷺ، وأن يزن كلمته بميزان التوقير، وأن يعلم أن بعض القضايا قد تُبحث… لكن لا تُتاجر بها، ولا تُلقى في وجوه الناس بلا حكمة ولا أدب فاستحضار القول بعدم نجاة والدي النبي ﷺ إساءة أدب قبل أن يكون خلافًا علميًا.