الشبهة التاسعة: عدم وقوع الطلاق الشفوي
adminaswan
23 مايو، 2026
الأزهر والدعاة
8 زيارة
بقلم الدكتور : عادل المراغي
الشبهة التاسعة: عدم وقوع الطلاق الشفوي
أولاً – عرض الشبهة :
ذهب الدكتور سعد الدين الهلالي إلى أن الطلاق الذي يلفظه الزوج بلسانه (الشفوي) لا يقع شرعًا ولا يترتب عليه أي أثر، وأن الطلاق لا يقع إلا إذا تم توثيقه رسميًا أمام المأذون أو القاضي، معتبرًا أن «اللفظ» في هذا العصر لم يعد كافيًا لإنهاء ميثاق الزوجية الغليظ.
توثيق الشبهة :
كرر هذا الرأي في عشرات اللقاءات، منها برنامج «وإن أفتوك»، ومداخلاته مع الإعلامي عمرو أديب، مؤكدًا أن “هذا الزمان يحتاج إلى توثيق لحماية حقوق المرأة والأطفال”.
مصدر الشبهة عنده :
استند إلى أن الزواج يتم بالتوثيق (عقد رسمي)، فيجب أن ينتهي بالتوثيق قياسًا عليه، واعتمد على قاعدة «تغير الأحكام بتغير الأزمان»، زاعماً أن اشتراط الإشهاد والتوثيق هو قول مروي عن بعض التابعين كعطاء بن أبي رباح.
ثانياً – الرد من القرآن الكريم :
قال تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة : ٢٢٩].
وجه الاستدلال : الآية جعلت الطلاق (وهو اللفظ الدال على الفراق) سببًا لإنهاء العلاقة، ولم تشترط الآية «كتابةً» أو «توثيقاً» لوقوع هذا التسريح.
كما أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) ، والزوج الذي يطلق بلسانه قد أنهى المودة شرعًا، فإلزامنا له بالبقاء زوجاً حتى يوثق هو إيقاع للمرأة في الحرام والضرر.
ثالثاً – الرد من السنة النبوية:
ثبتت السنة القولية والفعلية بوقوع الطلاق بمجرد التلفظ به أو ما يقوم مقامه:
حديث الصراحة والكناية : قوله صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاثُ جِدهِنَّ جد، وهَزْلُهُنَّ جِد: النكاح، والطلاق، والرجعة » أخرجه أبو داود (۲۱۹٤)، والترمذي (١١٨٤).
وجه الاستدلال : الحديث جعل مجرد «اللفظ» (ولو كان هزلاً) موجبا للوقوع فلو كان التوثيق شرطًا، لما كان للهزل باللفظ أي قيمة، ولما وقع الطلاق بمجرد الكلام.
إمضاء النبي للطلاق باللفظ:
عن ابن عمر رضي انه عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض ، فسأل عمرُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عن ذلك، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مُرْهُ فليراجعها” أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).
وجه الاستدلال :
النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلم اعتبر طلاق ابن عمر (الذي كان لفظياً شفوياً) طلقة وقعت واعتُدَّ بها، ولم يسأله هل وثقتها عند كاتب أو قاض، بل أمره بالمراجعة والمراجعة لا تكون إلا بعد وقوع طلاق.
رابعاً – أقوال الأئمة الأربعة:
أطبق الفقهاء من المذاهب الأربعة على مدار ١٤ قرنًا على وقوع الطلاق بمجرد التلفظ به من الزوج العاقل المختار:
مذهب الحنفية :
جاء في “بدائع الصنائع” (۳/ ۹۸) : “ركن الطلاق هو اللفظ الذي يستعمل فيه عادة.. فمتى وُجد اللفظ من أهله في محله وقع”. ولم يشترطوا كتابة ولا إشهادًا لوقوعه شرعًا.
مذهب المالكية:
جاء في المدونة» (٢/ ٥٨): «قال مالك: إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق، فقد لزمه الطلاق».
وأكدوا أن الإشهاد في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ ) هو للرجعة أو للاستحباب عند الطلاق لا لشرط الوقوع.
مذهب الشافعية :
جاء في «الأم» للإمام الشافعي (٥/١٦٤): “الطلاق يقع بالكلام وبالكتابة وبالإشارة من الأخرس.. فإذا نطق بالطلاق صريحًا وقع وإن لم ينوى”.
مذهب الحنابلة :
جاء في “المغني” لابن قدامة (۲۸۱/۷): “وجملة ذلك أن الطلاق يقع بلفظ الصريح وإن لم ينوه.. ولا يفتقر وقوع الطلاق إلى حكم حاكم ولا توثيق”.
خامسًا – تفنيد الأساس المنطقي للشبهة:
يرد العلماء (وهو موقف هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف) على هذه الشبهة بأن:
(الفرق بين الوقوع الديني والتوثيق القانوني: ان الطلاق الشفوي يقع “ديانة” (أي أمام الله)، والتوثيق هو إجراء «قضائي» لحماية الحقوق. فإذا طلق الرجل زوجته شفويًا، حرمت عليه فورا، ولا يجوز لها أن تمكنه من نفسها بدعوى أنه لم يوثق، لأن ذلك يُعد «زنا» في ميزان الشرع.
تغير الزمان: لا يبرر هدم أصل شرعي.
التوثيق مطلوب ويجب أن يعاقب القانون من يتهرب منه ، لكن لا يجوز أن نجعل “عدم التوثيق” سببًا في تحليل الحرام (بقاء المطلقة مع مطلقها).
أثر عطاء بن أبي رباح :
المحققون ذكروا أن قوله بالإشهاد كان «ندبًا» وليس شرطًا للوقوع، ومخالف لإجماع الصحابة والفقهاء.