
بقلم الدكتور : عادل المراغي
الشبهة الثامنة: إنكار فرضية الحجاب (غطاء الرأس)
أولاً – عرض الشبهة :
يرى الدكتور سعد الدين الهلالي أن الحجاب (بمعنى غطاء الرأس) ليس فريضة دينية قطعية، بل هو «زي اجتماعي» أو «عرف» خضع لاجتهادات الفقهاء، وأن المرأة لها الحرية الكاملة في ارتدائه أو خلعه دون أن يأثم تاركه ، زاعما أن النصوص القرآنية لم تأمر بستر “الشعر” صراحة بلفظه.
توثيق الشبهة :
صرح بذلك في لقاءات شهيرة ببرنامج «وإن أفتوك»، وفي حواره مع صحيفة «المصري اليوم»، حيث قال: «الحجاب ليس من أركان الإسلام، وهو مسألة خلافية، والقرار للمرأة وحدها».
مصدر الشبهة عنده :
استند إلى أن كلمة «خمار» في الآية تعني ستر الجيب (الصدر) ولم تنص على الشعر، وإلى فكرة أن الحجاب كان لتمييز الحرائر عن الإماء، وبما أن الرق قد انتهى، فقد انتهت علة الحكم عنده.
ثانياً – الرد من القرآن الكريم :
قال تعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور :٣١].
وجه الاستدلال: الخمار في لغة العرب (التي نزل بها القرآن) هو «ما يغطي الرأس».
قال الإمام القرطبي في تفسيره: «الخمر جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها».
فالأمر بالضرب بالخمار على الجيب (فتحة الصدر) يستلزم بديهةً تغطية ما قبله وهو الرأس، إذ لا يمكن ضرب الخمار على الصدر إلا إذا كان نازلاً من الرأس.
وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب : ٥٩].
والجلباب هو الثوب الساتر لجميع البدن من الرأس إلى القدم.
ثالثاً – الرد من السنة النبوية:
حديث أسماء ربن الله عنها: عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا – وأشار إلى وجهه وكفيه -” أخرجه أبو داود (٤١٠٤).
وجه الاستدلال :
النص صريح في استثناء الوجه والكفين فقط، مما يقتضي وجوب ستر ما عداهما، ومنه الرأس والشعر.
فعل نساء الأنصار:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: “يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها” أخرجه البخاري (٤٧٥٨).
وجه الاستدلال :
شهادة عائشة رضي الله عنها بأن الصحابيات فهمن من الآية وجوب تغطية الرأس فورًا (فاختمرن بها)، وهن أهل اللغة وأعلم بمراد الله.
رابعاً – إجماع الأئمة الأربعة:
أجمع الفقهاء في المذاهب الأربعة على أن شعر المرأة عورة يجب ستره أمام الأجانب:
مذهب الحنفية:
جاء في الاختيار لتعليل المختار» للموصلي (٤/١٥٦): «بدن الحرة كله عورة إلا وجهها وكفيها.. لقوله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (المرأة عورة مستورة)». وذكروا أن ستر الرأس شرط الصحة الصلاة وللوجود في المحافل العامة.
مذهب المالكية :
جاء في “حاشية الدسوقي على الشرح الكبير” (١/ ٢١٤): «عورة الحرة مع الرجل الأجنبي جميع بدنها غير الوجه والكفين، وأما الرأس والشعر فيجب سترهما باتفاق».
مذهب الشافعية :
جاء في المنهاج» للإمام النووي: «عورة الحرة في الصلاة وعند الأجانب جميع بدنها إلا الوجه والكفين». وأكد في «المجموع» (٣/١٦٦) بطلان الصلاة إذا انكشف شيء من شعر
الرأس.
مذهب الحنابلة :
جاء في «المغني لابن قدامة (١/٣٤٩): «الحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين.. وفي رواية كلها عورة إلا الوجه وما عدا ذلك من الرأس والرقبة وسائر البدن فهو عورة يجب سترها».
خامساً – تفنيد دعوى (التمييز بين الحرائر والإماء):
يرد العلماء بأن التمييز بين الحرة والأمة في ستر الرأس كان حكما خاصا بزمان الرق لصعوبة استتار الإماء لكثرة عملهن وخروجهن، أما الحرة فوصفها باق والعلة في الحجاب ليست التمييز الطبقي فحسب، بل هي «العفة ومنع الفتنة»، وهي علة باقية ببقاء البشر، فادعاء سقوط الحكم لسقوط الرق هو “تعطيل للنصوص” بغير مقتضى.