الأربعاء , مايو 6 2026

التكفير في فكر الجماعات السَّلفية الوهابية المعاصرة


نشأة فكر التكفير في المجتمعات الإسلامية (1)

– التكفير في فكر الجماعات السَّلفية الوهابية المعاصرة

يُعدُّ مصطلح السَّلفية في واقع الطَّوائف والجماعات الإسلامية مُصطلحًا كبيرًا واسعًا يدخل فيه كثيرٌ من الأفراد الذين يحبُّون أن يُسَمَّوا بهذا الاسم «السَّلفية»، وينسبون بالباطل فكرهم ومنهجَهم إلى السَّلف الصَّالح والقرون الفاضلة الأولى، وهي طَوائف كثيرةٌ ومنتشرةٌ ليست في مصرَ فقط ولكن في جميع أنحاءِ البلادِ الإسلاميَّةِ وجميع بلاد العالم، فمظاهر التَّكفير عند هذه الطَّوائف تأتي بتبنِّيها لتجاوزِ الحدِّ والمغالاةِ بغير حقٍّ في رَمي النَّاسِ بالكُفر والمروقِ من الدِّين ويتَّخذون، من الدعوة إلى التَّوحيد وسيلةً لتوزيع أحكام التَّكفير والتبديع على عامَّة المسلمين ممَّن لا يرَون رأيَهم وليسوا على مذهبِهم، وتظهر من خلال مُسمَّى السَّلفية ثلاثُة صورٍ؛ وهي: «السَّلفية العلميَّة-السَّلفيَّة الحركيَّة-السَّلفيَّة الجهاديَّة».

أولا: السلفية العلمية:

هي الطَّائفة التي تزعم أنَّها تجعل من طلب العِلْمِ الشَّرعي طريقًا للإصلاح، وتعمل على تأصيل منهجٍ خاصٍّ بهم لفهم الدِّين أصولًا وفروعًا، وإصلاح المفاهيم وفق مرجعيَّة خاصَّة بهم، وما يتبع ذلك من تبني طُرق وأشكالٍ في التَّطبيق، ومحاولة الرَّبط بين ما يتبنُّوه من المنهج والأفكارِ وبين السَّلف الصَّالح في محاولةٍ لإثبات تفرُّد منهجهم بالصَّحة والعِصمة، ويعتمدون في ذلك على تراث عُلماء محدَّدين من أمثال ابن تيميَّةَ وابن قيِّم الجوزية لا يتعدُّونَهم إلى غيرِهم، ويجعلون منهما الحَكَم والفَيصل في كثير من الأمور العلميَّة والعمليَّة مما صبغ هذا المنهجَ بطريقةٍ واحدةٍ في تناولِه وفَهْمِه للقضايا والمسائل الدِّينية القديمة والحديثة منها على السَّواء،

 

وتُعد السَّلفية العلميَّة هي المصدر والمرجعيَّة الحقيقية لأي انطلاقةٍ حركيَّة عمليَّةٍ على أرض الواقع مهما اختلفت صورُها وأشكالُها، ممَّا يجعلها الأخطر والأكثر تأثيرًا خاصَّةً في مجال تبنِّي فكرةِ التَّكفير أو التَّبديع تُجاه بعض القضايا أو المذاهب، وملامحُ الدَّعوة عندهم هو الدَّعوة إلى إصلاح عقائد النَّاسِ، وتنقية ما يعتبرونه من مظاهر الشِّركِ والبدع في أُمَّة الإسلام، ومحاربة التَّصوفِ، والدَّعوة إلى عدم الأخذِ بالمذاهب الفقهيَّةِ في الأحكام؛ بزعم الاحتكام إلى الدَّليل والأخذ المباشر من الكتاب والسُّنَّةِ، وتبنِّي نمطٍ محددٍ خاصٍّ بهم في مجال التَّزكية والتَّربية لا يتعدونه.

ثانيًا: السَّلفية الحركية:

وهي الطائفة التي تتحرك نحو تكوين رأي وموقفٍ محدَّدٍ لأتباعها تجاه قضايا ومسائل معيَّنة، خاصةً قضايا الحاكميَّة وتحكيم الشَّريعة، فهي بالإضافة إلى اعتمادها على ثمار ونتاج السَّلفية العِلميَّة من الأشخاص المنتمين لها والأفكار الخاصة بها فهي تتبنَّى نشرَ قضايا تكفير الحُكَّام، والولاء والبراء، والدَّعوة للجهاد، وجاهلية المجتمع، والعمل على نشر هذه الأفكار بين أكبر قدر من الناس، مع ادِّعائهم رفضهم للعمل المُسلَّح، أو تبني منهج العُنف والصِّدام مع السُّلطة، فهم ينطلقونَ من السَّلفيَّة العلميَّة، ولكنهم يُركِّزون على قضايا محددةٍ يدعون إليها ويهتمُّون بها.

ثالثًا: السلفية الجهادية:

هي التي تُؤمن بمبدأ المفاصلة مع المجتمعات والحكوماتِ، وتتبنَّى الأعمالَ الجِهاديَّة المسلحة داخليًّا أو خارجيًّا؛ للعمل على التَّخلص من أنظمة الحُكم في البلادِ الإسلاميَّة، وينطلقون من مرجعيَّة تبنيهم تكفيرِ أنظمة الحُكم وأجهزة الدَّولة الأمنيَّة ومَن يقبل بهم من المجتمع، ويقولون: إنَّ ذلك هو الطَّريق الأمثل لتغيير المجتمعاتِ وليس العُكوف على طلب العِلْم والتَّربية، وينتقدون التَّيَّارات السَّلفية الأخرى، ويعتبرون أنفسَهم أنَّهم يعملون وفق المنهج السَّلفي، ويزعمون النِّسبة إليه.

– وسوف نتعرَّضُ الآن لبعضٍ من مظاهر الفكر التَّكفيريِّ عند التيار السلفيِّ، والتي تنبعثُ من اعتقاد المنتمينَ إليه من أنهم حملةُ الحقِّ دون غيرِهم، وأنَّهم يمثلون مذهب أهل السُّنةِ والجماعة والفرقة الناجية، وكذلك هم المتصلونَ بالسلف الصالح، وعلى ذلك فمِنْ حقِّهم التَّوجيه الديني والفكري لباقي أفراد المسلمين وفَرْض ما يتبنونه من آراءٍ، وتولي إصلاح عقائد الناس وفقًا لتصوراتهم وقناعتهم الفكريَّة.

– فالتيار الذي يسمِّي نفسه اصطلاحًا بالسلفية العلميَّة يُعدُّ من أخطر منابعِ وجودِ الاتِّجاه التَّكفيريِّ المتشدِّد عند كثيرٍ من الناس؛ باعتباره الذي يؤصِّلُ لتبني هذه الأفكار وينشرُها في الكتب من خلال تبنيه نهجَ تبديع وتفسيقِ وتكفير كثيرٍ من طوائف المسلمينَ ممَّن لا يرونَ رأيَهم ولا يعتنقون مذهبَهم، وذلك من خلال وسائلَ عديدة كنشر الكتب التي تشتملُ على هذا المنهج، والمعاهد العلميَّة التي تتولَّى تدريس هذا المنهج، وإعداد مجموعات تمثل الذخيرة والمعتمدَ لاستمراريتِه، وتصدَّر مجموعة من الدعاة تعتبر البوق الإعلامي الذي يغرسُ هذا الفكرَ في عُقول الناس على أساسِ أنَّه هو مذهب أهل السنة والجماعةِ تجاه القضايا المختلفة، والسَّيطرة على مجموعة كبيرةٍ من المساجد في مختلف المناطقِ؛ لتكونَ هي المنبرَ الذي يتيح لهم التواصلَ مع النَّاس، بالإضافة إلى كثيرٍ من القنوات الفضائيَّةِ ومواقع شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).

– موقفُهم من علماء أمة الإسلام- علماء الأشاعرة والماتريدية- الذين حَفِظَ الله بهم على الأمة دينها، وكانوا الدِّرعَ الحصينَ لحمايةِ عقائدِ المسلمينَ على مرِّ العصور، فمُدعُو السَّلفية يرمون الأئمة الكبار من الأشاعرةِ أمثال أبي حامد الغزالي والإمام الفخر الرازيِّ والجويني والباقلاني، ومن ورائهم غالبيةُ أئمة السنة بالخروجِ عن مذهبِ أهل السُّنةِ والجماعةِ في باب العقيدة وما يتعلَّقُ بالجناب الإلهي من الأسماءِ والصفات، بل ويهاجمونَ مَناهج التَّوحيد في معاهد المسلمينَ الكبرى كالأزهر الشَّريف، ويتهمون علماءَه بالإلحادِ والتَّعطيل في صفات البارِي سبحانه وتعالى، إتباعًا لإمامهم ابن تيميَّةَ الحرَّاني في هذا الأمر، الذي تفرَّدَ في باب العقائد بطامات كبرى وأتى بالعجائبِ التي لم يسبق إليها، وتبنَّى مذهب المجسِّمة في صفاتِ الله.

– أما التَّصوُّفُ وهو الجانبُ الرُّوحي للإسلام، والَّذي انتمى إليه الآلافُ من علماء المسلمينَ وحملة الشَّريعة عبر العصور، فضلًا عن مئاتِ الملايين من المسلمين فقد نالَ قسطًا كبيرًا من التَّكفير السَّلفيِّ والرمي بالخروجِ من الدينِ والابتداع، فيصفونهم بأنهم عبدةٌ للقبور مشركينَ بالله؛ فيقول قائلُهم عبد الرحمن الوكيل وهو من رءوس سلفيَّة هذا العصر، وشغل منصبَ الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمديَّة لمدةٍ تقرُب من عشر سنوات، وهو يَصِفُ مظهرًا من مظاهر حبِّ الناس للأولياء:

«ثم تعالَ معي إلى الجامع الأحمديِّ الكبير أو هيكل الطاغوت الأكبر؛ لترى هذه الحشودَ التي يمورُ ويموج بها الجامع من نساءٍ ورجالٍ وأطفالٍ، وفدوا إلى الصنم من كلِّ فجٍّ عميقٍ».
انظر كتاب: هذه هي الصوفية (ص6) عبد الرحمن الوكيل- دار الكتب العلمية- الطبعة الثالثة- 1979م.

فهو يَصِفُ الأضرحةَ بالأصنامِ والزَّائرينَ لها من المسلمينَ ممَّنْ يحجُّونَ إلى هذه الأصنام.

ثم يَصِفُ التَّصوفَ والصُّوفيةَ بالزَّندقة فيقول:
«لقد كان للشَّيخِ الأكبر شيخٌ هو تاجرُ خيطٍ في المدينة وقد أعطاه العهدَ، وألبسه خِرقةَ التصوف، وكان التاجرُ على أمية وجهالةٍ، بَيْدَ أنَّه كان خبيرًا بزندقة الصوفيَّة، مؤمنًا بها، يبثُّها ويهوى بالهالكين في حمأتها، ولقد كنَّا نرى الشيخ الأكبرَ يخفضُ من رأسِه عبوديةً للتَّاجرِ الصوفي».
انظر: المصدر السابق (ص5).

– ويقول أيضًا: «للصوفية مددٌ من كلِّ نحلةٍ ودين إلا دين الإسلام، اللَّهمَّ إلَّا حين نظنُّ أن للباطل اللئيم مددًا من الحقِّ الكريم، وأنَّ للكفرِ الدِّنسَ روحًا من الإيمان الطهورِ، والصُّوفية نفسُها تبرأ إلَّا مِنْ دين طواغيتِها مؤمنةً بأنَّه هو الحقُّ الخالص»
انظر: المصدر السابق (ص19).

– ثم يقول: «كُلُّ شيء ربٌّ للصوفية، لقد كفرت الصابئة لأنَّهم عبدوا الكواكبَ، وكفرتِ اليهود لأنهم عبدوا العجلَ، وكفرتِ النَّصارى لأنهم عبدوا ثلاثة أقانٍ، وكفرت الجاهليَّةَ لأنهم عبدوا أصنامًا أقامُوها لمَن ماتَ من أوليائهم؛ لتكون مَقْصِدَ الرجاءِ ومَطافَ الآمال كما كانَ أصحابُها، وهم ناعمون بالحياة. فماذا تقول في الصُّوفيَّة، أو بماذا تحكم عليها، وهي تدعُو إلى عبادة كلِّ شيءٍ؟».

ثم يقول: «فهل ترانِي جنحتُ إلى غلوٍّ ما حينَ قلت لك: إنَّ الصوفية استمدتْ من كُلِّ كفرٍ، ودانتْ بكل ما دَانَ به الكافرون من قَبلُ، فكانت هي وحدَها تاريخ الوثنية كلها، وحمأتها منذُ ابتدعَها إبليسُ ليضلَّ الكافرين؟».
انظر: المصدر السابق (ص38).

– ويقول أحد مَن يُصدرونَ أحكام الكفر ضدَّ التَّصوفِ والصوفيَّة: «التَّصوفُ بحرٌ من القاذورات: اعلمْ أولًا أن التصوفَ بحرٌ من القاذوراتِ فقد جَمعَ المتصوفة كلَّ أنواعِ الكفرِ والزَّندقة التي توجدُ في فلسفات الهند وإيران واليونان، وكلَّ مَكر القرامطة والفرق الباطنيَّةِ، وكلَّ خرافات المخرفينَ، وكلَّ دجل المدجلين وكلَّ وحي الشياطين، ووضعُوا كلَّ ذلك في إطار التصوف وعلومه ومبادئه وكُشوفه، فلا يتصور عقلُك عقيدةً كفرية في الأرضِ إلا تجدُها في التصوف بدءًا بنسبة الألوهيَّة إلى المخلوقاتِ وانتهاءً بجعل كلِّ موجودٍ هو عين الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا»
انظر: فضائح الصوفية (ص42) عبد الرحمن بن عبد الخالق -مكتبة ابن تيميَّةَ- الكويت- الطبعة الأولى- 1984م.

ما مرَّ سابقًا هو مثالٌ بسيطٌ لما تتبنَّاه فرقة السلفيةِ من تبنِّي خطابٍ تكفيريٍّ تجاه طوائف كثيرة من المسلمين، مما هو مسطورٌ في كتبهم وخطبِهم ودُرُوسِهم ومجلاتِهم الدوريَّةِ، هذا بالإضافة إلى الكمِّ الكبيرِ من الرَّمي بالبدعة، وعدم اعتبارِ الخلافات الفقهيَّة والمذهبيَّة، وتَضييق ما وسَّعه الله على المسلمين، ممَّا نتج عنه انحرافٌ فكريٌّ عند كثيرٍ من الناس تجاه القضايا وتقسيم النَّاس ووقوع الشَّحناء والاختلاف نتيجةً لإلقاء الأحكام وتصنيفِ النَّاس إلى موحِّدٍ ومشركٍ تبعًا للأهواء ونصرة لمذهبهم.

– أما فيما يتعلَّق بالسلفيةِ الحركيَّة فيما يتعلق بمظاهر التَّكفير:

فهي بالإضافةِ إلي تبنِّيهم ما تتبناها السلفية العلميَّةُ من آراء فهُم يُظهرونَ وَلَعهم الدائم في خطبهم الدعوية بالحديث عنِ أحكام الكفر والإيمان، وهل مَنْ وقع في كذا وكذا من الخلافات الفقهيَّة يكفُر بذلك أو لا؟ وشروط التَّكفير وموانعُه تحت زعم حماية التَّوحيدِ، مما يجعل المنتمِي لهذا التيار والمتلقِّي منه كأنَّه في حالة تربصٍ بالناس ليطبق عليهم ما تعلَّمه من أحكام الكفرِ والشِّرك وَفقًا لمذهبه وشيوخِه في هذا الأمر.

– أمَّا السَّلفيةُ الجهادية:

فرأتْ أن أفضلَ الطرق وأقصرَها هو جعل هذه الأحكام النَّظرية والخطب المنبرية واقعًا عمليًّا ملموسًا، فكانتْ أن أخذتْ طريقَ الاصطدامِ والعنفِ والقتل ضدَّ كل مخالفٍ لما تعتقدُه، سواءٌ كان حكومات أم شعوب فأفرزتْ النِّتاجَ الماديَّ الدمويَّ للفكرِ السلفيِّ التَّكفيريِّ في صورته الأخيرةِ على أرض الواقع، وخرج كثيرٌ من حملة السلاح المفسدينَ في الأرضِ.

وقد يقول قائلٌ: ليس كل منتمٍ للفكر السلفي يكفر أو يتبنى التَّكفير كمنهجٍ له.

نقول: نعم، يُمكنُ أن يكون كذلك، ولكن المشكلة الكبرَى عند مَنْ ينتمون إلى هذا التَّيارِ هو اعتقادهم أنَّهم وحدَهم حملة الحقِّ وحماة الدِّين، بالإضافةِ إلى محاولةِ الوِصايةِ على النَّاسِ، وتوجيهِهم في اتِّجاهِ ما يَتبنونَه من أفكارٍ ومذاهبَ، فهنا تكون النتيجةُ شبيهةً بالأخذ بالتَّكفيرِ؛ وهي ظهور الانعزاليَّةِ عن المجتمع والنَّظرةِ المتعاليةِ نحوَ الناس.

… يتبع

موسوعة تصحيح المفاهيم والأفكار في قضايا حارت فيها الأمة وفقًا لمنهج أهل السنة والجماعة لفضيلة الشيخ أشرف سعد الأزهري (3/ 56- 62).

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.