الإثنين , أبريل 6 2026

مطلب نفيس حول نشأة التصوف وبدايته


ينبغي لكل محب للصوفية أو مبغض لهم أن يقرأ هذا المنشور.

مطلب نفيس حول نشأة التصوف وبدايته.

التصوف كطريقة تقوم على الزهد والورع، والخوف من الله تعالى، واتِّبَاع السنة، مع المجاهدة والرغبة في الآخرة موجود بوجود نور النبوة والهداية من لدن آدم، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره أو نفيه، إذ هذه المعاني هي جوهر التصوف وحقيقته التي لهج بها المتقدمون والمتأخرون من أئمة الصوفية كما ظهر في كلام الجنيد، والسري، وسهل، والجيلاني، والسبكي، والمناوي، والسيوطي، والشعراني… الخ.

وقد قال الإمام الحاكم في (المستدرك على الصحيحين) عبارته الفخيمة: «وَقَدْ وَصَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الطَّائِفَةَ بِمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ بَيْنِ الطَّوَائِفِ بِصِفَاتٍ، فَمَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ اسْتَحَقَّ بِهَا اسْمَ التَّصَوُّفِ».

أما ظهور التصوف باسمه المشهور، فقد قال ابن تيمية: «وَلَفظ الصُّوفِيَّة لم يكن مَشْهُورًا فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَإِنَّمَا اشْتهر بعد ذَلِك، نُقِلَ التَّكَلُّم بِهِ عَن أَحْمد، وَأبي سُلَيْمَان الداراني، وَغَيرهمَا، وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَذُكر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ».

وهذا النص من ابن تيمية يحتمل أحد معنيين:

الأول:
أن مصطلح التصوف لم يصل إلى حدِّ الشهرة في القرون الثلاثة الأولى، ولكنه وُجد وتكلم به بعض التابعين كالحسن، وسفيان، وغيرهما مما لم يذكره ابن تيمية، وظن أنه لفظ غير مشهور.

الثاني:
إن كان يقصد أن اللفظ لم يُعرف في القرون الثلاثة على جهة الإطلاق، كما يتوهمه كثير من أتباعه، وأنه ظهر بعد ذلك، فإني أقول: إن عبارته ـ رحمه الله ـ لا تحتمل هذا؛ لأنه عبر بلفظ الشهرة لا انعدام الوجود.

وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بكلام ابن تيمية ولا بغيره أن لفظ (الصوفي)، أو (التصوف) لم يكن معروفًا في القرون الثلاثة الأولى، لأن هذه مجازفة غير مقبولة، ولا نرضى كذلك بقول من قال: إن اللفظ لم يكن مشهورًا.

فإننا نجزم بنسبة الصوفية إلى الصوف في بادئ الأمر، وإن اتسعت الأقوال في نسبة التصوف فيما بعد إلى أقوال لا تكاد تنحصر.

فقد ورد عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه لبس الصوف، وكذا لبسه أصحابه رضي الله عنهم مما هو ثابت بيقين، وكذا نقول: لبسوا غير الصوف كذلك مما هو ثابت مشهور.

وكان الصوف من بينها علامة على الورع والتقلل والتقشف، وليس هذا في زمان النبوة فقط، بل كان هذا قبل الإسلام، ولذا قال سيدنا عبد الله بن مسعود فيما رواه الحاكم في مستدركه بسند صحيح: «كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَلْبَسُوا الصُّوفَ».

فكان يقال لمن يحرص على لبس الصوف: صوفي.

وكان أهل الصفة من فقراء الصحابة لا يملكون غير الصوف ملبسًا، بل وبعضهم لا يجد من الصوف إلا ما يستر به عورته، حتى قال الإمام الحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين): «تَأَمَّلْتُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ فَوَجَدْتُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَعًا وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمُلَازَمَةً لِخِدْمَةِ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مَا اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْكَنَةِ، وَالْفَقْرِ، وَالتَّضَرُّعِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَرْكِ الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا.

وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمُنْتَمِيَةُ إِلَيْهُمُ الصُّوفِيَّةُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، فَمَنْ جَرَى عَلَى سُنَّتِهِمْ وَصَبْرِهِمْ عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا وَالْأُنْسِ بِالْفَقْرِ، وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِلسُّؤَالِ فَهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ مُقْتَدُونَ وَعَلَى خَالِقِهِمْ مُتَوَكِّلُونَ».

ومما لا شك فيه أن اسم التصوف كان موجودًا في عهد الصحابة، شائعًا منتشرًا في عهد التابعين، وليس كما يزعم بعضهم أن من يتسمون بالصوفية من المتقدمين لم يرد عنهم التصريح بهذا اللفظ.

وهذا قصور في العلم عظيم، فقد ورد في كلام كثير منهم صريحًا بلفظه، فقد كان سيدنا شريح بن عبيد الأجدمي يُشتهر بالصوفي، وهو التابعي الجليل الذي شهد فتح مصر سنة 20/21هـ، كما ذكره ابن يونس المصري وغيره.

ويذكره ابن يونس المصري هكذا بوصفه: «الصوفي».

وممن صرح باللفظ التابعي الجليل سيدنا الحسن البصري المتوفى 110هـ، وقد حدَّث الحسن رضي الله عنه عن جمع من الصحابة وكبار التابعين، حتى قال ابن السراج الطوسي المتوفى 378هـ: «وأما قول القائل: إنه اسم محدث أحدثه البغداديون؛ فَمُحالٌ؛ لأن في وقت الحسن البصري رحمه الله كان يُعرف هذا الاسم، وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وقد رُويَ عنه أنه قال: «رأيت صوفيًّا في الطواف فأعطيته شيئًا فلم يأخذه، وقال معي أربعة دوانيق فيكفيني ما معي».

ورُويَ عن سفيان الثوري المتوفى 161هـ رحمه الله أنه قال: «لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء» .

وقال أبو نعيم الأصبهاني في (الحلية): «حُدِّثْتُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَاشَ فِي ظَاهِرِ الرَّسُولِ فَهُوَ سُنِّيٌّ، وَمَنْ عَاشَ فِي بَاطِنِ الرَّسُولِ فَهُوَ صُوفِيٌّ».

فيعلق أبو نعيم قائلًا: «وَأَرَادَ جَعْفَرٌ بِبَاطِنِ الرَّسُولِ ﷺ أَخْلَاقَهُ الطَّاهِرَةِ، وَاخْتِيَارَهُ لِلْآخِرَةِ، فَمَنْ تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ الرَّسُولِ ﷺ، وَتَخَيَّرَ مَا اخْتَارَهُ، وَرَغِبَ فِيمَا فِيهِ رَغِبَ، وَتَنَكَّبَ عَمَّا عَنْهُ نَكَبَ، وَأَخَذَ بِمَا إِلَيْهِ نَدَبَ، فَقَدْ صَفَا مِنَ الْكَدَرِ، وَنُحِّيَ مِنَ الْعَكَرِ، وَنُجِّيَ مِنَ الْغِيَرِ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْ سَمْتِهِ وَنَهْجِهِ، وَعَوَّلَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ وَهَرَجِهِ، وَسَعَى لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ، كَانَ مِنَ التَّصَوُّفِ خَالِيًا، وَفِي التَّجَاهُلِ سَاعِيًا، وَعَنْ خَطِيرِ الْأَحْوَالِ سَاهِيًا».

وسيدنا جعفر الصادق توفي سنة 148هـ، وهو التابعي الجليل الذي حدَّث عن أبيه أبي جعفر الباقر، وعبيد الله ابن أبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم.

وممن حدَّث عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حنيفة النعمان، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وشعبة، والكسائي، وغيرهم.

واشتُهر لفظ الصوفية عند الإمام مالك بن أنس المتوفى 179هـ فقد قال عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ: «حَضَرْتُ مَالِكًا وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فَسَأَلَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ يُحَدِّثُهُ بِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: اعْرِضْها ..».

ولما قال سيدنا عبد الله بن المبارك المتوفى 181هـ: «الْمُعَلَّى بْنُ هِلَالٍ هُوَ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يَكْذِبُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَغْتَابُ؟! قَالَ: اسْكُتْ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ كَيْفَ يُعْرَفُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ».

وعُرف جابر بن حيان المتوفى 190هـ بالصوفي لكثرة زهده وورعه، وكان تلميذًا لسيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه كما ذكر القفطي، وابن أبي أصيبعة، وابن خلِّكان وغيرهم، ولم يكن جابر بن حيان مارقًا من الدين كما يتصور بعض الناس، بل كان رجلًا جامعًا بين علوم الدنيا والآخرة، ويتكلم في الأسرار على عادة أهل الله من الصالحين، حتى قال القفطي المتوفى 646هـ في ترجمته: « كَانَ متقدمًا فِي العلوم الطبيعية، بارعًا منها فِي صناعة الكيمياء، وَلَهُ فِيهَا تآليف كثيرة، ومصنفات مشهورة، وَكَانَ مع هَذَا مشرفًا عَلَى كثير من علوم الفلسفة، ومتقلدًا للعلم المعروف بعلم الباطن، وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام؛ كالحارث بن أسد المحاسبي، وسهل بن عبد الله التستري، ونظرائهم».

وكان سفيان بن عيينة المتوفى 196هـ يقول عن حَدِيث: «صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ الصُّبْح فِي شملة من صوف، قد عقدهَا هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَان إِلَى قَفاهُ« ثم ما نصه: «الصُّوفِيَّة قد عنوني فِي هَذَا الحَدِيث، كم يَسْأَلُونِي عَنهُ».

ويذكر الكندي في أحداث سنة 200هـ وجود طائفة بالإسكندرية يسمون بالصوفية يأمرون بالمعروف، ويترأسهم أبو عبدالرحمن الصوفي.

حتى قال محمد بن الحسن البصري وهو من شيوخ الخطيب البغدادي:
أَهْلُ التَّصَوُّفِ أَهْلِي وَهُمْ جَمَالِي وَنُبْلِي …
وَلَسْتُ أَعْنِي بِهَذَا إِلَّا لِمَنْ كَانَ قَبْلِي.

وجاء عن الإمام الحافظ الحجة النضر بن شميل المتوفى 204هـ: «قُلْتُ لِبَعْضِ الصُّوفِيِّينَ: تَبِيعُ جُبَّتَكَ الصُّوفِ؟ فقَالَ: إِذَا بَاعَ الصَّيَّادُ شَبَكَتَهُ؛ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَصْطَادُ؟!».

فتأمل عبارته في قوله: (قلت لبعض الصوفيين) وأراد أنه يلبس الخشن من الثياب تورعًا وزهدًا.

ونحوه ورد عن الإمام الشافعي المتوفى 204هـ في قوله:
«صحبتُ الصوفية عشر سنين، فلم أستفد منهم سوى حرفين: قولهم: الوقت سيف فإنْ قطعته وألاّ قطعك، وَنَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ وَإِلَّا شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ».

وهذه العبارة من الإمام الشافعي عبارة مدح وثناء، لا كما توهم بعضهم أن فيها تنقيص للصوفية، ولعل هذا يتضح في نقطتين مهمتين:

1 ـ لازم صحبتهم عشر سنين، وهذه مدة طويلة تدلك على ملازمة طويلة من الإمام الشافعي رضي الله عنه للسادة الأولياء، وهذه الملازمة في حد ذاتها مدح لهم، إذ لو شاهد عليهم مخايل السوء والبدعة لهجرهم من أول يوم بل من أول موقف، ولكن طالت صحبته لهم لما شاهد عليهم من نور المعرفة وإشراق البصيرة.

2 ـ ما استفاده الشافعي هذا عموم الشريعة كلها، فليس تقليلًا لما استفاده منهم، بل هو جمع دقيق لمسلك المؤمن الصادق الذي يحافظ على وقته في الطاعة، وأن الوقت كالسيف إن لم يستغله العبد في طاعة الله قطعه بالتسويف فأورده المهالك، ثم مع المحافظة على الوقت يلزم العبد أن يشغل نفسه بالحق وبالمعالي من الأمور، فإن لم يشغل العبد نفسه بالحق شغلته بالباطل، وإن لم يشغلها بالمعالي شغلته بالأسافل والرذائل.

حتى قال ابن القيم رحمه الله معلقًا على تلك العبارة: «يَا لَهُمَا مِنْ كَلِمَتَيْنِ، مَا أَنْفَعَهُمَا وَأَجْمَعَهُمَا، وَأَدَلَّهُمَا عَلَى عُلُوِّ هِمَّةِ قَائِلِهِمَا، وَيَقَظَتِهِ، وَيَكْفِي فِي هَذَا ثَنَاءُ الشَّافِعِيِّ عَلَى طَائِفَةِ هَذَا قَدْرَ كَلِمَاتِهِمْ».

وقال الإمام أحمد بن حنبل المتوفى 241هـ عندما سئل عَن الصُّوفِيَّةِ: «لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ، قِيلَ: إنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ؟! قَالَ: دَعُوهُمْ يَفْرَحُونَ مَعَ اللَّهِ سَاعَةً، قِيلَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ! فَقَالَ: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]».

وعن ابن يونس المصري في ترجمة السيدة فاطمة بنت عبد الرحمن بن أبي صالِح الحراني المتوفاة سنة 312هـ: «وكانت تُعرف بالصوفية لأنَّها أقامت تلبس الصوف ولا تَنام إلا فِي مصلاها بلا وطاء فوق ستين سنة» .

والغاية من ذلك أن التصوف ليس بدعة محدثة في الدين، بل الصوفية أهل الله تعالى في كل زمن كما قال الحافظ السيوطي المتوفى 911هـ: «والحاصل أنهم أهل الله وخاصته، الذين تُرجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا بهم».

من بحثنا: الحافظ الذهبي وموقفه من التصوف.

د : إبراهيم شعبان المرشدى

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.