السبت , أبريل 18 2026

تَكْبَرْ يا أَخْضَر، وتكونْ شيــخَ الأزهَـــر!


{تَكْبَرْ يا أَخْضَر، وتكونْ شيــخَ الأزهَـــر!}

كلمةٌ خرجت من بين شفتي أمٍّ مؤمنةٍ في أقصى الجنوب التونسي، تهدهدُ وليدها في ليلةٍ من ليالي “نَفْطَة” الساكنة على أعتاب الصحراء، والنجومُ تنصتُ إلى رجائها، والسماءُ تكتبُ دعاءها في صحائف القدر.
كانت السيدة حليمة تضمّ صغيرها إلى صدرها، وتقول بلهجةِ القلب الموقن:

«تَكْبَرْ يا أَخْضَر، وتكونْ شيخَ الأزهَر».

يا لتلك الكلمة البسيطة كم حملت من نبوءةٍ ربانية!
خرجت من قلبٍ صافٍ، فبلغت العرش، واستودعها الله في خزائن رحمته، لتتحقّق بعد سنين طويلة على نحوٍ لم يخطر ببال بشر.

كبر الخضر حسين، واشتدّ عوده، فانطلقت قريحته كالنهر العذب، يغترف من العلم ما شاء الله له أن يغترف، حتى لمع اسمه في آفاق جامع الزيتونة، ثم حمله شوق العلم إلى أرض الكنانة، إلى الأزهر الشريف، الحلمِ الذي كان بعيد المنال عن مدينةٍ صغيرةٍ في الجنوب التونسي، لكنه قريبٌ على من حملتْه أمٌّ في رحم الدعاء!

ذاع صيته في مصر، وملأ الآفاقَ علمًا وفكرًا، حتى نال عضوية جماعة كبار العلماء برسالته الرصينة «القياس في اللغة العربية» عام ١٩٥٠م، وكان ذلك إيذانًا بأنّ كلمات الأمّ بدأت تُزهر.

ثم جاءت ثورة يوليو ١٩٥٢م، واحتاجت مصر إلى رجلٍ من طينة الأبطال المجاهدين، يجمع بين العلم والجهاد، بين الحزم والتقوى، فوقع الاختيار على ذلك المجاهد العربيّ الذي هاجر من وطنه فرارًا بدينه، محمد الخضر حسين.
فلما عرضوا عليه مشيخة الأزهر، قال متعجبًا من قَدَر الله:

«لقد سقطت المشيخة في حجري من حيث لا أحتسب».

دخل الأزهرَ لا بوصفه منصبًا، بل رسالةً مقدسة، وحمل على عاتقه مشروعًا إصلاحيًا كبيرًا، يُعيد للأزهر بهاءه، ويجعله منارةً للنهضة الإسلامية التي يترقّبها الشرق والغرب.

كان صلبًا في الحقّ، لا يعرف المواربة ولا يخشى الملوك، فإذا سمع صوتًا يعبث بالشريعة، دوّى صوته كالبرق يقول:

«إنّ الأزهَر أمانةٌ في عُنقي، أسلّمها حين أسلّمها موفورةً كاملة، وإن لم أُزِدْها مجدًا، فلن أنقُصها قدرًا».

عاش زاهدًا في الدنيا، نقيّ السريرة، لا تغريه المناصبُ ولا تبهره الألقاب، وكان يقول في بساطةِ العارفين:

«يَكفيني كوبُ لبنٍ، وكسرةُ خبزٍ، وعلى الدنيا بعدَها العفاء».

وهكذا، تحقّقت نبوءةُ الأمّ المؤمنة، وغاب جسدُها قبل أن ترى بعينيها ما كانت تراه ببصيرتها، كأنّ الله قال لدعائها يومئذٍ: كوني، فكانتْ مشيخةُ الأزهرِ ثمرةَ أمٍّ صدقتْ مع الله فصدقها

✍️: الشيخ : محمـد محمود.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.