بطلان دعوى أن السلف لم يؤولوا فى صفات البارى وأنهم اتفقوا على التفويض
adminaswan
22 فبراير، 2026
عقيدة السلف الصالح
4 زيارة

نشرت – آنفا – منشورا أبيِّن فيه بساطة العقيدة الإسلامية، في الذات الإلهية، من خلال المناهج الأزهرية، بعيدا عن المذاهب المعقدة، والتي قد توقع صاحبها في التشبيه أو التعطيل، وذكرت أن مذهب السادة الأشاعرة – وهو المذهب العقدي الرسمي للأزهر الشريف، ولأكثر بلاد العالم الإسلامي – تعامل مع آيات الصفات الموهمة لمشابهة الله عز وجل لخلقه، بمذهبين، أحدهما نقلي، وهو التفويض، والآخر عقلي، وهو التأويل، وكلاهما منقول عن السلف، وإن كان الغالب على السلف التفويض، والغالب على الخلف التأويل!
فشنع قوم على مذهب التأويل، بأنه من بدع الأشاعرة، وأنه لم يُعرف عن السلف القول بالتأويل!
وهذا إن دل على شيء؛ فإنما يدل على الجهل بمذاهب السلف وأقوالهم!
وها هي بعض النقول عن السلف، قالوا فيها بالتأويل، مما يدل على أنه مذهب معتبر، وليس – كما يدعي هؤلاء – أنه من ابتداع الأشاعرة!
فممن أوّل من الصحابة: ابن عباس – رضي الله عنهما – حبر الأمة، وترجمان القرآن، أوّل (الساق) في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} – كما رواه شيخ المفسرين، ابن جرير الطبري في [تفسيره]، والحافظ ابن حجر في [فتح الباري] بسند صحيح!
بل نقل ابن جرير هذا التأويل عن جماعة من الصحابة والتابعين، فقال – نصا -: “قال جماعة من الصحابة، والتابعين، من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد!”.
ومنهم – كما ذكره الطبري – الضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، وهم من مدرسة ابن عباس: “قال الضحاك: (هو أمر شديد)، وقال قتادة: (أمر فظيع، وشدّة الأمر)، وقال سعيد: (شدة الأمر)”.
كما أوَّل ابن عباس (النسيان) بالتَّرْك، كما رواه ابن جرير، وأوَّل (الأيدي) في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} بالقوة، كما رواه ابن جرير أيضاً، وأوّل (الكرسي) بالعلم، كما رواه ابن جرير أيضا، وكما في [البخاري]: “عن سعيد بن جبير، قال: (كرسيه علمه)”.
وأوّل مجاهد، والضحاك، وأبو عبيدة؛ لفظ (الوجه)، في قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)، قال مجاهد: (قبلة الله) رواه الطبري في [تفسيره]، والبيهقي في [الأسماء والصفات].
وإذا ما تجاوزنا هذه النقول عن ابن جرير – وهو من أقدم التفاسير بالمأثور عن السلف، إن لم يكن أقدمها – فسنجد إمام الهدى، أبا منصور الماتريدي، المتوفى سنة 333هـ؛ قد صنف كتاب [تأويلات أهل السنة] أو [تأويلات القرآن]، وهو مطبوع في عشر مجلدات، فيه تأويلات كثيرة، في الصفات وغيرها!
كما نجد الإمام الفراء، المتوفى سنة 207هـ، قبل ذلك، له تفسير، كله تأويل!
كما يجد من يتدبر كتب [الصحاح] و [السنن]، وغيرها من كتب السنة؛ تأويلات كثيرة للسلف، في موضوع الصفات وغيرها!
فقد أوّل البخاري صفة (الوجه)، فقال في [صحيحه]: “(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) القصص (88): إِلَّا مُلْكَهُ، وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ”.
كما أوّل لفظ (الضحك) بالرحمة، قال الخطابي في [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري]: “قال أبو عبد الله: معنى الضحك الرحمة”، وقال البيهقي في [الأسماء والصفات]: “فقد روى الفَرَبْرِي عن محمد بن إسماعيل البخاري – رحمه الله – أنه قال: “معنى الضحك فيه الرحمة”.
وأوّل الإمام الترمذي في [جامعه] حديث: “لو أنكم دلَّيتم رجلاً بحبل إلى الأرض السفلى؛ لهبط على الله”، فقال عقبه:
“وفسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: “إنما هبط على علم الله، وقدرته، وسلطانه …!”.
ولم يعجب هذا التأويلُ ابنَ تيمية الحرَّاني، فقال في [مجموع الفتاوى]، منكراً على الترمذي؛ ما نصه:
“فإن الترمذى لما رواه؛ قال: “وفسره بعض أهل الحديث؛ بأنه هبط على علم الله … وكذلك تأويله بالعلم؛ تأويل ظاهر الفساد، من جنس تأويلات الجهمية!”.
وكذلك أوّل الإمام مالك بن أنس – رضي الله عنه – (حديث النزول)، فقد سئل – رحمه الله – عن نزول الرب عزّ وجلّ، فقال: “ينزل أمره – تعالى – كلَّ سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ؛ فإنه دائم، لا يزول، ولا ينتقل، سبحانه، لا إله إلا هو”، وقد رواه عنه ابن عبد البر المالكي في [التمهيد لِما في الموطأ من المعاني والأسانيد]، والنووي في [شرح صحيح مسلم]، والذهبي في [سير أعلام النبلاء].
وأوّل الإمام الشافعي – رضي الله عنه – لفظ (الوجه)، فقد حكى المُزَني عنه، في قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)، قال: “يعني – والله أعلم -: فثم الوجه الذي وجّهكم الله إليه”، رواه البيهقي في [الأسماء والصفات].
وأوّل سفيان الثوري (الاستواء على العرش)، بقصد أمره، كما في [مِرْقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] لِمُلَّا علي القاري.
وكذلك رواه ابن جرير الطبري، وقال – بعد أن ذكر معاني الاستواء في اللغة – ما نصّه: “علا عليهن، وارتفع، فدبرهن بقدرته …علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال”.
وقال الضحاك، وأبو عبيدة، في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ): :أي: (إلا هو)”، ذكره الحافظ ابن الجوزي في [دفع شُبَه التشبيه].
وأوّل الإمام الطبري لفظ (العين)، فقال في تفسير قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، “بمرأى مني، ومحبة، وإرادة”.
بل إننا نجد الإمام أحمد نفسه؛ قد أوّل في آيات الصفات!
روى الإمام البيهقي في كتابه [مناقب الامام أحمد] – وهو كتاب مخطوط، ومنه نقل ابن كثير في [البداية والنهاية] – فقال: “روى البيهقي، عن الحاكم، عن أبي عمرو بن السماك، عن حنبل، “أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، أنه جاء ثوابه”، ثم قال البيهقي: “وهذا إسناد لا غبار عليه!”.
ونقل الحافظ ابن الجوزي في كتابه [دفع شُبه التشبيه بأكُفِّ التنزيه]، عن القاضي أبي يعلى، عن الإمام أحمد، في قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ)؛ أنه قال: (المراد به قدرته وأمره)، قال: (وقد بيّنه في قوله تعالى (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)، ومثل هذا في القرآن (وَجَاءَ رَبُّكَ)، قال: (إنما هو قدرته)”.
هذه نقول يسيرة عن السلف، من أهل القرون الثلاثة، من الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، في أقدم وأوثق مصادر العلم في الإسلام، تثبت أن التأويل في صفات الباري – في الجملة – مذهب معتبر، وهو من مذاهب السلف، وليس من ابتداع الخلف، ولا من اختراع الأشاعرة، وليس تعطيلا ولا نفيا، وأنه أحد مذهبين معتبرين في التعامل مع النصوص الموهمة للتشبيه!
وهذان المذهبان قد أخذ بهما الأزهر الشريف في مناهجه الدراسية، اقتداء بمذاهب السلف؛ إذ هو وارث علوم النبوة، وحامل تراث الإسلام!
ونظمهما الشيخ إبراهيم اللقاني المالكي، في منظومته في علم العقيدة، المسماة: [جوهرة التوحيد]، والمقررة على طلاب الأزهر الشريف، بقوله:
وكلُّ نصٍّ أوهمَ التشبيها
أَوِّلْهُ، أو فَوِّضْ، وَرُمْ تنزيها!
وقد أحصى بعضهم المواضع التي ورد عن السلف أنهم قالوا فيها بالتأويل، فبلغت ثلاثمئة موضع!
والتأويل ضرورة عقلية في بعض النصوص، وإلا فكيف يصنع العقل المسلم في نحو ما روى الإمام مسلم في [صحيحه]، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله – عز وجل – يقول، يوم القيامة: “يا ابن آدم، مرضتُ، فلم تَعُدْني!”.
قال: “يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟!”
قال: “أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض، فلم تَعُدْه، أما علمتَ أنك لو عُدْتَه؛ لوجدتَني عنده! يا ابن آدم، استطعمتُك، فلم تطعمني!”.
قال: “يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!”.
قال: “أما علمتَ أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه، أما علمتَ أنك لو أطعمته؛ لوجدت ذلك عندي! يا ابن آدم استسقيتُك، فلم تسقني!”.
قال: “يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!”.
قال: “استسقاك عبدي فلان، فلم تَسْقِه، أمَا إنك لو سقيتَه؛ وجدتَ ذلك عندي!”.
فإن قال قائل: قد ورد أيضا عن بعض هؤلاء؛ القول بالتفويض، والإجراء على الظاهر؟!
قلتُ: وهذا هو المطلوب إثباته، أن كلا من التفويض والتأويل منقول عن السلف، وكلاهما مذهب معتبر، فَلِمَ الإنكار؟! ولِمَ الإصرار؟!
وقد وجدت نصا للطبري، جمع فيه بين التأويل والإجراء على الظاهر، فقال: “(وهو معكم أين ما كنتم)، يقول: “وهو شاهد لكم – أيها الناس – أينما كنتم، يَعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم، ومثواكم، وهو على عرشه، فوق سمواته السبع”، فأوّل المعية بالعلم، ثم قال: “وهو على عرشه، فوق سماواته السبع”.
فمثل هذا التنوع في النقل عن السلف؛ مقتضاه أن الأمر واسع، وأن كلا من التفويض والتأويل؛ جائز، ما دام القصد منهما التنزيه، ولا شك أن غرض المفوِّض والمؤوِّل التنزيه، وأن الأصل الذي ينبغي الردُّ إليه في هذا الباب؛ قوله تعالى، في محكم القرآن: “ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير”!
وبالله التوفيق.
أ .د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف