الإثنين , فبراير 23 2026

البدعة بين الفهم الوهابى وبين الأئمة الأربعة


بعض من المحدثات المحمودة للامام مالك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوَّلاً: قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِي (ت:543هـ) عِنْدَ الكَلاَمِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾[طه:12] فِي أَحْكَامِهِ، مَا نَصُّهُ:
((إِنْ قُلْنَا: إِنَّ خَلْعَ الْنَّعْلَيْنِ كَانَ لينال بركة التقديس فَمَا أَجْدَرَهُ بِالْصِّحَّةِ، فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْتَّنْزِيهَ عَنْ الْنَّعْلِ، وَاسْتَحَقَّ الْوَاطِئُ التبرك بالمباشرة كَمَا لَا تُدْخَلُ الْكَعْبَةَ بِنَعْلَيْنِ، وَكَمَا كَانَ مَالِكُ لا يركب دابة بالمدينة براً بتربتها الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الأعظم الشريفة والجثة الكريمة ))(1)

أَحْدَثَ إِمَام دَار الْـهِجْرَة سَيِّدنَا مَالِك بْن أَنَس طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً لَـمْ تُعْهَد قَبْلُ فِي تَعْظِيمِ حَضْرَةِ سَيِّدنَا الْـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْشَّرِيفِ!

ثَانِيًا: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض (ت:544هـ):
((كَانَ مَالِكُ إذا دخل بيته قَالَ: “مَا شَاءَ اللهُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ”، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالىَ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[الكهف:39] الآيَة، وَجَنَّتهُ: بَيْتهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلىَ بَابِ مَالِك مَكْتُوبًا، يُرِيدُ لِيَتَذَكَّرَ بِرُؤْيَتِهِ قَوْل ذَلِكَ مَتَى دَخَلَ))(2)

اِستَنْبَطَ الْإِمَام مَالِك ذِكْراً مُحْدَثًا انْطِلاَقًا مِنْ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَقَيَّدَهُ بِكَيْفِيَّةٍ مُحْدَثَةٍ لَـمْ تُعْهَد مِنْ قَبْلُ!
ثَالِثًا: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض (ت:544هـ): ((قَالَ الْزُّبَير بن حَبِيبٍ: كُنْتُ أَرَى مَالِكًا إِذَا دَخَلَ الْشَّهْر أحيا أول ليلة منه ، وَكُنْتُ أَظُنُّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَفْتَتِحَ بِهِ الْشَّهْر. وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مَالِكٍ: كَانَ مَالِكُ يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ حِزْبَهُ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَة الْـجُمُعَة أحياها كلها )(3)

اِلْتَزَمَ إِمَام دَار الْـهِجْرَة مَالِك بْن أَنَس إِحْيَاء لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا بِالْعِبَادَةِ، ولاَ دَلِيل بِعَيْنِهِ عَلَى هَذَا الْتَّخْصِيص بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنْ غَيْر عُمُومَاتِ الْنُّصُوص!

رَابِعًا: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض (ت:544هـ):
((كَانَ مَالِكُ إذا جلس للحديث توضا , وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّحَ لِـحْيَتَهُ، وَتَـمَكَّنَ فِي جُلُوسِهِ بِوَقَارٍ وَهَيْبَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ ولا أحدث به إلا على طهارة))(4)

أَحْدَثَ إِمَام دَار الـهِجْرَة سَيِّدنَا الْإِمَام مَالِك بْن أَنَس كَيْفِيَّةً جَدِيدَةً لَـمْ تَرِد فِي تَعْظِيم حَدِيث رَسُول اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم!، والْتَزمَ الْتَّوْقِيتَ لِعِبَادَةِ الْوُضُوءِ بِصُورَةٍ مُحْدَثَةٍ!، وَهَذِهِ الْأَفْعَال: “بِدْعَة ضَلاَلَة!” أَوْ “بِدْعَة شِرْكِيَّة!” وفْق الْـمَنظُور “التَّيْمِي وَالوَهَّابِي!” الَّذِي مَا بَرِحَ يُسَخِّرُ آلَة “البِتْرُودُولاَر!” للاِنْتِقَاص مِنْ شَأنِ تَعْظِيم الْـمُسْلِمِينَ لِقَدْرِ سَيِّد الـخَلْق وَحَبِيبِ الْـحَقِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلهِ وسَلَّم!، تَحْتَ شَمَّاعَة “مُحَارَبَة الغُلُوِّ!”…الخ؟!

فَمَنْ يُسَارِع بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ لِيَسْتَمِيتَ فِي تَشْوِيهِ صُورَة إِحْيَاءِ الْـمُسْلِمِينَ لِلَيْلَة الْـمَوْلِدِ الْنَّبَوِي الْشَّرِيفِ فَعَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ “يَشْتَاطَ!” لِلْتَّحْذِيرِ مِنْ “بِدَعِ وَضَلاَلاَتِ!” سَيِّدنَا الْإِمَامِ مَالِك؟!،
لِأَجْلِ هَذَا الْأَصْل قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي -فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِهِ-: (( المحدثات ضربان : مَا أُحْدِثُ يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا، فَهَذِهِ: بِدْعَةُ الضَّلَالِ، وَمَا أُحْدِثُ مِنَ الْخَيْرِ لَا يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ: محدثة غير مذمومة))(5)

فَالْبِدْعَة الْـمَذْمُومَة هِيَ مَا خَالَفَ الْأُصُول الْشَّرْعِيَّة وَلَيْسَتْ الْبِدْعَة الْـمَذْمُومَة مَا لَـمْ يُعْهَد فِي الْعَصْر الْنَّبَوِي.
_____
(1) أَحْكَامُ الْقُرْآنِ لِلْقَاضِي اِبن الْعَرَبِي الْإِشْبِيلِي (3 /254)، رَاجَع أُصُولَهُ وَخَرَّج أَحَادِيثَهُ وعَلَّقَ عَلَيْهِ: مُحَمَّد عَبْد القَادِر عَطَا، دَارُ الكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ-لُبْنَان، الْطَّبْعَة الْثَّانِيَة: 1424هـ-2003م.
(2) تَرْتِيبُ الْـمَدَارِك (1 /130)، تَحْقِيق: مُحَمَّد بَنْ تَاوِيت الْطَّنْجِي، وَزَارة الأَوْقَاف وَالْشُّؤُون الْإِسْلاَمِيَّة: الْـمَمْلَكَة الـْمَغْرِبِيَّة، الْطَّبْعَة الْثَّانِيَة:1403هـ-1983م.
(3) تَرْتِيبُ الْـمَدَارِك، (2 /50)، تَحْقِيق: معَبْد القَادِر الصَّحْرَاوِي، وَزَارة الأَوْقَاف والشُّؤُون الإِسْلاَمِيَّة: الـمَمْلَكَة الـمَغْرِبِيَّة، الطَّبْعَة الثَّانِيَة:1403هـ-1983م.
(4) تَرْتِيبُ الـمَدَارك (2 /15)، تَحْقِيق: معَبْد القَادِر الصَّحْرَاوِي، وَزَارة الأَوْقَاف والشُّؤُون الإِسْلاَمِيَّة: الـمَمْلَكَة الـمَغْرِبِيَّة، الطَّبْعَة الثَّانِيَة:1403هـ-1983م.
(5) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي: (13 /253)، الْـمَكْتَبَةُ الْسَّلَفِيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض من المحدثات المحمودة للامام أحمد بن حنبل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوَّلاً: اسْتِحْبَابُ جَمْع الْأَهْلِ لِلْدُّعَاءِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآن؟!…وَخَتْم الْقُرْآن لَيْلَة 27 مِنْ رَمَضَان فِي صَلاَةِ الْتَّرَاوِيح؟!…مَعَ اسْتِحْبَاب الاِتْيَانِ بِدُعَاءِ خَتْمِ الْقُرْآنِ دَاخِلَ صَلاَةِ الْتَّرَاوِيحِ بِكَيْفِيَّةٍ مُحْدَثَةٍ لَـمْ تَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ؟!…

جَاءَ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل رِوَايَة أَبِي دَاود الْسِّجِسْتَانِي (ت:275هـ): ((رَأَيْتُ أَحْمَدَ يَسْجُدُ فِي ﴿ص﴾ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي الْتَّرَاوِيحِ، وَفِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ عِنْدَ: ﴿لاَ يَسْجُدُونَ﴾[الانْشِقَاق:21]، وَفِي: ﴿اقْرَأْ﴾، وَخَتَمَ بِهِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ رَفَعَ الْإِمَامُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَ الْنَّاسُ وَأَحْمَدُ مَعَنَا فَقَامَ سَاعَةً يَدْعُو ثُمَّ رَكَعَ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا أُخْبَرْتُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَشَهَدْتُّهُ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخَاوِضُهُ فِيهِ.
سَمِعْتُ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ: زَعَمَ الزُّبَيْرِيُّ أَنَّهُمْ إِذَا خَتَمُوا الْقُرْآنَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَدَعَوْا فِي الْصَّلَاةِ؟
فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُمْ بِمَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ وَسُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ -يَعْنِي فِي قِيَامِ رَمَضَانَ-))(1)…

وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل (ت:290هـ):
((سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْدُّعَاءِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآن قَائِمًا أَوْ قَاعِداً؟، فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّ أَنَسًا كَانَ يَجْمَعُ عِيَالَهُ عِنْدَ الْـخَتْمِ. قَالَ أَبِي: وَكَانَ الْـمعْتَمر بْن سُلَيْمَان إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَة، أَرَاهُ قَالَ: يَدْعُو أَوْ يَدْعُونَ، يَعْنِي إِذَا خَتَمَ.

قُلْتُ لِأَبِي: يَدْعُو إِذَا قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾[سُورَة الْنَّاس] أَوْ يَبْتَدِئ مِنْ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ دَعَا))(2)…

وَقَالَ فَقِيهُ الْحَنَابِلَة مُوَفَّق الْدِّين ابْن قُدَامَة الْـمَقْدِسِي: ((“فَصْلٌ: فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ”: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَخْتِمُ الْقُرْآنَ، أَجْعَلُهُ فِي الْوِتْرِ أَوْ فِي الْتَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْتَّرَاوِيحِ، حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ. قُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: إذَا فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ فِي الْصَّلَاةِ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ. قُلْتُ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَفَعَلْت كَمَا أَمَرَنِي، وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ: إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [سُورَة الْنَّاس] فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الْدُّعَاءِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. قُلْتُ: إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ.

قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: وَكَذَلِكَ أَدْرَكْتُ الْنَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ. وَيَرْوِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا شَيْئًا، وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ))(3)…

ثَانِيًا: تَخْصِيصُ وَقْتٍ لِخَتْمِ الْقُرْآنِ فِي الْصَّيْف وآخَر فِي الْشِّتَاءِ؟!…

جَاءَ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل رِوَايَة أَبِي دَاود الْسِّجِسْتَانِي: ((“بَابُ: مَتَى يَخْتِمُ الْقُرْآنَ”. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: “إِذَا كَانَ الْشِّتَاءُ فَاخْتِمْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَإِذَا كَانَ الْصَّيْفُ فَاخْتِمْهُ فِي أَوَّلِ الْنَّهَارِ”، فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ: أَعْجَبَهُ”))(4)…

ثَالِثًا: تَخْصِيصُ دُعَاءٍ مُحْدَثٍ عِنْدَ الْشُّرُوع لِلْسَّفَر؟!…
جَاءَ فِي “مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل لِلْحَافِظ ابْن الْجُوزِي: ((عَنِ الْقَاسِم بْن الْحُسَيْن الْوَرَّاق قَالَ: أَرَاد رَجُلٌ الْخُرُوجَ إِلَى طَرْسُوسٍ، فَقَالَ لِأَحْمَد: زَوِّدْنِي دَعْوَةً فَإِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوج، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: “يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى، دُلَّنِي عَلَى طَرِيْقِ الْصَّادِقِيْنَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ الْصَّالِحِيْنَ”. قَالَ: فَخَرَجَ الْرَّجُل، فَأَصَابَتْهُ شِدَّة وَانْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَا بِهَذَا الْدُّعَاء فَلَحِقَ أَصْحَابَهُ، فَجَاءَ إِلىَ أَحْمَد فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: اُكْتُمْهَا عَلَيَّ))(5)…

وَفِي عَمَلِ الْإمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل جُمْلَة مِنَ “الْبِدَعِ!” الْـمَحْظُورَةِ وفْق مَنظُور أَدْعِيَاءِ الْسَّلَفِيَّةِ:
(أ‌) تَخْصِيصُ دُعَاءٍ مُحْدَثٍ بِـمَوْطِنٍ “الْشُّرُوع لِلْسَّفَر” لَـمْ يَرِد فِي تَخْصِيصِهِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ!: ((…فَإِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوج، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: “يَا دَلِيلَ الحَيَارَى…”))…

(ب‌) لاَ حَرَجَ فِي تَبْلِيغ هَذَا الْإِحْدَاث!: ((زَوِّدْنِي دَعْوَةً))…

رَابِعًا: لاَ بَأْسَ بِاجْتِمَاع الْنَّاس فِي الْـمَسَاجِد لِلْذِّكْرِ وَالْدُّعَاءِ عَشْيَّة يَوْمِ عَرَفَة؟!…

قَالَ فَقِيهُ الْحَنَابِلَة مُوَفَّق الْدِّين ابْن قُدَامَة الْـمَقْدِسِي: ((فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ، يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَبَكْرٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا. وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ الْنَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ))(6)…

حَبْر الْأُمَّة الْصَّحَابِي سَيِّدنَا عَبْد الله بْن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَسْتَحْسِنُ إِحْدَاث كَيْفِيَّة -لاَ تُصَادِم الأُصُول- فِي الْتَّعَبُّدِ بِالْأَمْصَارِ وَيُوقِّتُ لَهَا بِعَشِيَّةِ عَرَفَة، مَعَ أَنَّ هَذَا الْتَّعَبُّد الْقَائِمِ عَلَى تَخْصِيصِ مِثْل هَذَا الاِجْتَمَاع بِهَذَا الْتَّوْقِيت لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ!. والإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل لاَ يَجِدُ غَضَاَضَة فِي الْتِزَام هَذَا الْأَمْر؟!…

خَامِسًا: كِتَابَةُ الْتَّعَاوِيذ وَتَخْصِيصهَا بِكَيْفِيَّة لَـمْ تَرِد وَالْتَّبَرُّك بِذَلِكَ؟!…

قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل (ت:290هـ): ((رَأَيْتُ أَبِي يكْتُبُ الْتَّعَوِيذَ لِلَّذِي يَفْزَعُ وَالْـحُمَّى لِأَهْلِهِ وَقَرَبَاتِهِ، وَيَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا عَسُرَ عَلَيْهَا الْوِلاَدَة فِي جَامٍ أَوْ شَيْءٍ لَطِيفٍ، وَيَكْتُبُ حَدِيثَ ابْن عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ الْبلَاءِ، وَلَمْ أَرَهُ يَفْعَلُ هَذَا قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ، وَرَأَيْتُهُ يُعَوِّذُ فِي الْمَاءِ وَيُشْرِبْهُ الْمَرِيْضَ، وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ مِنْهُ…وَرَأَيْتُهُ غَيْر مَرَّةٍ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ وَيَمْسَحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَهُ))(7)…

وَكُلُّ هَذَا لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّـم…

سَادِسًا: قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلاَثَ مَئَةِ رَكْعَةٍ. فَلَمَّا مَرِضَ مِن تِلْكَ الأَسْوَاطِ، أَضْعَفَتْهُ، فَكَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَائَةً وَخَمْسِيْنَ رَكْعَةً))(8)…

وَهَذَا فِيهِ تَخْصِيص صَلاَة اللَّيْل بِعَدَدٍ لَـمْ يُخَصِّصهُ الْشَّارِع الْحَكِيم…

سَابِعًا: تَخْصِيص ذِكْرٍ بِإِقَامَةِ الْصَّلاَة مَعَ رَفْع الْأَيْدِي حِينَهَا لِلْدُّعَاءِ؟!…وَاسْتِحْبَاب الْدُّعَاء لِلْمُؤَذِّن فِي مَوْطِنٍ لَـمْ يَرِد بِهِ تَخْصِيصٌ؟!…

قَالَ الْحَسَنْ الْأَنْمَاطِي: ((رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه إِذَا أُقِيمَتِ الْصَّلاَةُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَدْ قَالَ الْـمُؤَذِّنُ: “لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّه” فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: “لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَقُّ الْـمُبِينُ”))(9)…

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَب الْحَنْبَلِي: ((وَقَدْ نَقَلَ الْـمَرُّوذِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّهُ كَانَ: إِذَا أَخَذَ الْـمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا))(10)…

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَب الْحَنْبَلِي أَيْضًا: ((وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَبْسُطَ يَدَيْهِ وَيَدْعُو عِنْدَ قَوْلِهِ: “حَيَّ عَلَى الْصَّلاَةِ”، وَقَالَ: رَأَيْتُ يَزِيدَ بْن هَارُونَ يَفْعَلُهُ وَهُوَ: حَسَنٌ. يَعْنِي لِـمَا وَرَدَ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ الْدُّعَاءَ عِنْدَ الْأَذَان، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ))(11)…

وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ…

ثَامِنًا: تَحْدِيدُ صُورَةٍ مُحْدَثَةٍ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآن عَلَى الْأَمْوَاتِ؟!…

قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: ((سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: “إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلاَص] ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ [يَعْنِي ثَوَابَهُ] لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ”))(12)…

وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا: ((سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: “إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْـمُعَوِّذَتَيْنِ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلاَص]، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْـمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ))(13)…

وَكُلُّ هَذَا تَخْصِيصٌ بِكَيْفِيَّةٍ وَتَحْدِيدُ عَدَدٍ بِلاَ دَلِيلٍ خَاصٍّ…

تَاسِعًا:…الخ؟!

وخِتَامًا، فَمَنْهَج الْإِمَام أَحْمَد وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ لاَ يَعْتَبِرُ كُلّ مُحْدَثٍ بِدْعَة ضَلاَلَة؟!…
فَالْبِدْعَة مَا عَارَضَ الْأُصُول لاَ مَا لَـمْ تُعْهَد صُورَتهُ فِي الْعَصْر الْنَّبَوِي….

قَالَ حَافِظُ الْدُّنِيَا ابْن حَجَر الْعَسْقَلاَنِي: ((وَالْبِدْعَةُ أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ: مَذْمُومَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ: حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ: مُسْتَقْبَحَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ))(14)…
وَاللهُ الْـمُوَفِّق…
_____
(1) مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَد رِوَايَة أَبِي دَاوُد سُلَيْمَان بْن الْأَشْعَث الْسِّجِسْتَانِي (ص:29-93) رَقْم: (450-451)، تَحْقِيق: أَبِي مُعَاذ طَارِق بْن عَوَض الله بْن مُحَمَّد، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ ابْن تَيْمِيَّة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1420هـ-1999م.
(2) كِتَابُ مَسَائِل الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل “ت:241هـ” رِوَايَة ابْنه: عَبْد الله “ت:290هـ” (2/299-300) رَقْم: (423-424-425)، تَحْقِيق وَدِرَاسَة: الْدُّكْتُور عَلِي سُلَيْمَان الْـمهنا، تَوْزِيع: مَكْتَبَة الْدَّار بِالْمَدِينَةِ الْـمُنَوَّرَةِ، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1406هـ-1986م.
(3) الْـمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة الـحَنْبَلِي (3/608)، دَار عَالَم الكُتُب: الْرِّيَاض، الْطَّبْعَةُ الْثَّالِثَة: 1417هـ-1997م.
(4) مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَد رِوَايَة أَبِي دَاوُد سُلَيْمَان بْن الْأَشْعَث الْسِّجِسْتَانِي (ص:93) بِرَقْم: (455)، تَحْقِيق: أَبِي مُعَاذ طَارِق بْن عَوَض الله بْن مُحَمَّد، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ ابْن تَيْمِيَّة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1420هـ-1999م.
(5) مَنَاقِب الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل لِلْحَافِظ ابْن الْجُوزِي (ص:395-396)، دَار هجْر، الطَّبْعَة الثَّانيَة: 1409هـ.
(6) الْـمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة الـحَنْبَلِي (3/295)، دَار عَالَم الكُتُب: الْرِّيَاض، الْطَّبْعَةُ الْثَّالِثَة: 1417هـ-1997م.
(7) كِتَابُ مَسَائِل الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل “ت:241هـ” رِوَايَة ابْنه: عَبْد الله “ت:290هـ” (3/1345-1347)، تَحْقِيق وَدِرَاسَة: الْدُّكْتُور عَلِي سُلَيْمَان الْـمهنا، تَوْزِيع: مَكْتَبَة الْدَّار بِالْمَدِينَةِ الْـمُنَوَّرَةِ، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1406هـ-1986م.
( سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (11/212)، أَشْرَفَ عَلَى تَحْقِيقِ الْكِتَابِ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ: شُعَيْب الْأَرْنَؤُوط، مُؤَسَّسَةُ الْرِّسَالَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1402هـ-1982م.
(9) طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (1/371)، حَقَّقَهُ وَقَدَّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ: الْدُّكْتُور عَبْد الْرَّحْمَن الْعُثَيْمِين، الْأَمَانَة الْعَامَّة لِلاِحْتِفَالِ بِمُرُورِ مَائَة عَامٍ عَلَى تَأْسِيسِ الْـمَمْلَكَة الْسُّعُودِيَّة، طَبْعَة: 1419هـ-1999م.
(10) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي لِلْحَافِظ ابْنِ رَجَب الْحَنْبَلِي (5/259)، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّة – الْـمَدِينَة الْـمُنَوَّرَة، الْطَّبْعَةُ الْأُوْلَى: 1417هـ-1996م.
(11) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي لِلْحَافِظ ابْنِ رَجَب الْحَنْبَلِي (5/258)، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّة – الْـمَدِينَة الْـمُنَوَّرَة، الْطَّبْعَةُ الْأُوْلَى: 1417هـ-1996م.
(12) طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (2/224)، حَقَّقَهُ وَقَدَّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ: الْدُّكْتُور عَبْد الْرَّحْمَن الْعُثَيْمِين، الْأَمَانَة الْعَامَّة لِلاِحْتِفَالِ بِمُرُورِ مَائَة عَامٍ عَلَى تَأْسِيسِ الْـمَمْلَكَة الْسُّعُودِيَّة، طَبْعَة: 1419هـ-1999م.
(13) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (2/224).
(14) فَتْح البَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِي لِحَافِظ الدُّنْيَا ابْن حَجَر العَسْقَلاَنِي (4/253)، الْـمَكْتَبَةُ الْسَّلَفِيَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض من المحدثات المحمودة للامام الشافعى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوَّلاً: أَمْر الْـمُؤَذِّن بِقَوْل: “الْصَّلاَة جَامِعَة” وَنَحْوه فِي الْأَعْيَاد وَمَا جُمِعَ الْنَّاس لَهُ مِنْ صَلاَة؟!…
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ: ((وَلَا أَذَانَ إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ، فَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ أُذِّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ فِي الْأَعْيَادِ وَمَا جُمِعَ الْنَّاسُ لَهُ مِنْ الْصَّلَاةِ: “الْصَّلَاةُ جَامِعَةٌ” أَوْ: إنَّ الْصَّلَاةَ…، وَإِنْ قَالَ: “هَلُمَّ إلَى الْصَّلَاةِ” لَـمْ نَكْرَهْهُ، وَإِنْ قَالَ: “حَيَّ عَلَى الْصَّلَاةِ” فَلَا بَأْسَ))(1)…

وَهَذَا مِنْ الإِمَام الْشَّافِعِي إِحْدَاثٌ لِـهَيْئَةِ أَذَان بِقَصْدِ جَمْعِ الْنَّاس لِصَلاَةٍ مِنْ غَيْرِ الْمَكْتُوبَة، لَـمْ تُعْهَد صُورتهَا هَكَذَا فِي الْعَصْرِ الْنَّبَوِي…

ثَانِيًا: الْجَهْر بِالْنِّيَّة عِنْدَ الْصَّلاَة مَعَ تَخْصِيصِهَا بِذِكْرٍ لَـمْ يَرِد؟!…

قَالَ ابْن الْـمُقْرِئ: ((أَخْبَرَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، ثَنَا الْرَّبِيعُ قَالَ: “كَانَ الْشَّافِعِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْصَّلاةِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، مُوَجِّهًا لِبَيْتِ اللَّهِ مُؤَدِيًّا لِفَرْضِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- اللَّهُ أَكْبَرُ”))(2)…

وَفِي الْطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لِلْتَّاج الْسُّبِكِي: ((وَقَالَ ابْنُ خُزَيْـمَة أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْرَّبِيعُ قَالَ: كَانَ الْشَّافِعِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْصَّلاَةِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، مُتَوَجِّهًا لِبَيْتِ اللهِ، مُؤَدِّيًّا لِعِبَادَةِ اللهِ))(3)…

وَهَذَا مِنْ الْإِمَامِ الْشَّافِعِي إِحْدَاثٌ لِهَيْئَةٍ لَـمْ تَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ، تَتَنَاوَل الْجَهْرِ بِالْنِّيَّةِ عِنْدَ الْصَّلاَةِ مَعَ تَخْصِيصِهَا بِذِكْرٍ لَـمْ يُعْهَد فِي الْعَصْرِ الْنَّبَوِي…

ثَالِثًا: الْصَّلاَةُ عَلَى الْنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْتَّسْمِيَةِ عَلَى الْذَّبِيحَةِ؟!…
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ: ((وَالْتَّسْمِيَةُ عَلَى الْذَّبِيحَةِ “بِاسْمِ اللَّهِ”، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَالزِّيَادَةُ خَيْرٌ، وَلَا أَكْرَهُ مَعَ تَسْمِيَتِهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ أَنْ يَقُولَ: “صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ”، بَلْ أُحِبُّهُ لَهُ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُكْثِرَ الْصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْصَّلَاةَ عَلَيْهِ إيْمَانٌ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَةٌ لَهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَهَا))(4)…

وَهَذَا فِيهِ إِحْدَاثُ زِيَادَة صِيغَةٍ “الصَّلاَةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ” إِلَى ذِكْرٍ وَارِدٍ فِي مَوْطِنٍ خَاصٍّ…

رَابِعًا: إِحْدَاثُ هَيْئَةٍ فِي الْتَّعَبُّدِ لَـمْ تُعْهَد عِنْدَ وَدَاعِ الْحَاجِّ لِبَيْتِ اللهِ الْحَرَام؟!…

قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ: ((وَأُحِبُّ لَهُ إذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ، وَهُوَ بَيْنَ الْرُّكْنِ وَالْبَابِ فَيَقُولُ: “اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُكَ، وَالْعَبْدَ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلَتْنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدَلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي بِالْعَافِيَةِ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةِ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَحْيَيْتنِي”. وَمَا زَادَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْزَأَهُ))(5)…

خَامِسًا: تَخْصِيصُ دُعَاءٍ مُحْدَثٍ عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ؟!…

قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ: ((وَإِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرٍ قَالَ مَنْ يَضَعُهُ: “بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ”، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ: “اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَشِحَّاءُ، قَامُوا عَلَى وِرْثِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الْدَّارِ وَالْحَيَاةِ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عَاقَبْتَهُ عَاقَبْتَهُ بِذَنْبِهِ، وَإِنْ عَفَوْتَ فَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ. اللَّهُمَّ أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِكَ. اللَّهُمَّ اُشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَتِهِ، وَشَفِّعْ جَمَاعَتَنَا فِيهِ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ الْأَمَانَ، وَالْرُّوحَ فِي قَبْرِهِ”))(6)…

سَادِسًا: الْقَوْل بِاسْتِجَابَةِ الْدُّعَاءِ فِي لَيَالٍ بِعَيْنِهَا مِنْ دُونِ طَلَبِ دَلِيلٍ خَاصٍّ؟!،…
وَالْقَوْل أَيْضًا بِاسْتِحْبَابِ إِحْيَاء لَيْلَة الْعِيد بِالْذِّكْرِ وَالْدُّعَاءِ فِي الْـمَسَاجِد وَغَيْرِهَا مِنْ دُونِ طَلَبِ دَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ؟!…

جَاءَ فِي كِتَابِ الْأُمِّ لِلْإِمَامِ الْشَّافِعِيُّ: ((الْعِبَادَةُ لَيْلَةُ الْعِيدَيْنِ: أَخْبَرَنَا الْرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيد، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: “مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ”.

(قَالَ الْشَّافِعِيُّ) رَحْمَةُ اللهُ عَلَيْهِ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: “إنَّ الْدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ الْنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ”.
أَخْبَرَنَا الْرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: “رَأَيْت مَشْيَخَةً مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَظْهَرُونَ عَلَى مَسْجِدِ الْنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعِيدِ، فَيَدْعُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ، حَتَّى تَمْضِيَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ”. وَبَلَغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْيِي لَيْلَةَ جَمَعٍ، وَلَيْلَةُ جَمَعٍ هِيَ لَيْلَةُ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ صَبِيحَتَهَا الْنَّحْرُ.

(قَالَ الْشَّافِعِيُّ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَأَنَا أَسْتَحِبُّ كُلَّ مَا حُكِيَتْ فِي هَذِهِ اللَّيَالِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا))(7)…

سَابِعًا: الْتِزَامُ صُورَةٍ لِلْعِبَادَةِ لَـمْ يَلْتَزِمْهَا الْـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم؟! وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ غَيْر عُمُومَاتِ الْنُّصُوص؟!…

قَالَ ابْن أَبِي حَاتِم الْرَّازِي: ((أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثَنَا الْرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ الْمِصْرِيُّ؛ قَالَ: “كَانَ الشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِتِّينَ مَرَّةً؛ كُلُّ ذَلِكَ فِي صَلاةٍ”))(8)…

وَجَاءَ فِي “مَنَاقِب الْشَّافِعِي” لِلْحَافِظِ الْبَيْهَقِي: ((أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الْرَّحْمَن الْسُّلَمِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِي بْن عُمَر الْحَافِظ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْر الْنَّيْسَابُورِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْرَّبِيعَ بْن سُلَيْمَانَ: قَالَ: “كَانَ الْشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثِينَ خَتْمَةً، وَكَانَ يَخْتِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً، سِوَى مَا يَقْرَأُ فِي الْصَّلاَةِ”))(9)…

ثَامِنًا:…الخ

وَخِتَامًا، فَالإِمَام الْشَّافِعِي لاَ يَذُّمُّ كُلَّ مُحْدَثٍ، إِذْ الْبِدْعَةُ الْـمَذْمُومَةُ هِيَ مَا يُخَالِفُ الْأُصُول الْشَّرْعِيَّة، وَلَيْسَ: مَا لَـمْ يُعْهَد بِصُورَتِهِ فِي عَهْدِ الْنُّبُوَّةِ؟!…وَقَدْ أَوْضَّح الْإِمَام الْشَّافِعِي نَفْسه هَذَا الْـمَنْهَج كَمَا نَقَلَ الْحَافِظ ابْن حَجَر الْعَسْقَلاَنِي فَقَالَ: ((قَالَ الْشَّافِعِيُّ: “الْبِدْعَةُ بِدْعَتَانِ: مَحْمُودَةٌ وَمَذْمُومَةٌ، فَمَا وَافَقَ الْسُّنَّةَ فَهُوَ: مَحْمُودٌ، وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ: مَذْمُومٌ” أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْجُنَيْدِ عَنِ الْشَّافِعِيِّ، وَجَاءَ عَنِ الْشَّافِعِيِّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِهِ قَالَ: “الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ: مَا أُحْدِثُ يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا، فَهَذِهِ: بِدْعَةُ الْضَّلَالِ، وَمَا أُحْدِثُ مِنَ الْخَيْرِ لَا يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ: مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ”.انْتَهَى))(10)…
وَاللهُ الْـمُوَفِّق

_______
(1) الْأُمُّ لِلْإمَامِ مُحَمَّد بْنِ إِدْرِيس الْشَّافِعِي (2/501)، تَحْقيِق الْدُّكْتُور: رِفْعَت فَوْزِي عَبْد الْـمُطَّلِب، دَار الْوَفَاء لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع-الْـمَنْصُورَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1422هـ-2001م
(2) الْـمُعْجَم لاِبْنِ الْـمُقْرِئ (ص:121) رَقْم: (336)، مَكْتَبَةُ الْرُّشْدِ – الْرِّيَّاض، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1419هـ-1998م.
(3) طَبَقَاتُ الْشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى (2/139)، تَحْقِيق: د.مَحْمُود مُحَمَّد الْطَّنَّاحِي – د.عَبْد الفَتَّاح مُحَمَّد الحلُوْ، هَجْر لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع، الْطَّبْعَة الْثَّانِية:1413هـ.
(4) الْأُمُّ لِلْإمَامِ مُحَمَّد بْنِ إِدْرِيس الْشَّافِعِي (2/621)، تَحْقيِق الْدُّكْتُور: رِفْعَت فَوْزِي عَبْد الْـمُطَّلِب، دَار الْوَفَاء لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع-الْـمَنْصُورَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1422هـ-2001م.
(5) الْأُمُّ لِلْإمَامِ مُحَمَّد بْنِ إِدْرِيس الْشَّافِعِي (2/575)، تَحْقيِق الْدُّكْتُور: رِفْعَت فَوْزِي عَبْد الْـمُطَّلِب، دَار الْوَفَاء لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع-الْـمَنْصُورَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1422هـ-2001م.
(6) الْأُمُّ لِلْإمَامِ مُحَمَّد بْنِ إِدْرِيس الْشَّافِعِي (2/633-634)، تَحْقيِق الْدُّكْتُور: رِفْعَت فَوْزِي عَبْد الْـمُطَّلِب، دَار الْوَفَاء لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع-الْـمَنْصُورَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1422هـ-2001م.
(7) الْأُمُّ لِلْإمَامِ مُحَمَّد بْنِ إِدْرِيس الْشَّافِعِي (2/485-486)، تَحْقيِق الْدُّكْتُور: رِفْعَت فَوْزِي عَبْد الْـمُطَّلِب، دَار الْوَفَاء لِلْطِّبَاعَةِ وَالْنَّشْر وَالْتَّوْزِيع-الْـمَنْصُورَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1422هـ-2001م.
(😎 آدَابُ الْشَّافِعِي وَمَنَاقِبه لابْنِ أَبِي حَاتم الْرَّازِي (ص:74)، دَار الْكُتُب الْعِلْمِيَّةِ: بَيْرُوت-لُبْنَان، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 2003م-1424هـ.
(9) مَنَاقِبُ الْشَّافِعِي لِلْحَافِظ الْبَيْهَقِي (1/279)، تَحْقِيق: الْسَّيِّد أَحْمَد صَقر، مَكْتَبَةُ دَار الْتُّرَاث – مِصْر، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1390هـ-1970م.
(10) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي: (13/253)، الْـمَكْتَبَةُ الْسَّلَفِيَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض من المحدثات المحمودة للامام أبى حنيفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوَّلاً: الْتِزَامُ خَتْمِ الْقُرْآن الْكَرِيمِ فِي رَكْعَةٍ…

قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قرأ القرآن كله فى ركعة))(1)، وَقَالَ أَيْضًا: ((قَالَ مِسْعَرُ بنُ كِدَامٍ: رَأَيْتُ أَبَا حَنِيْفَةَ قرأ القرآن فى ركعة )(2)، وَقَالَ أَيْضًا: ((وَرَوَى: ابْنُ إِسْحَاقَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ يختم القرآن كل ليلة فى ركعـة ))(3)…

ثَانِيًا: إِحْيَاءُ اللَّيْل كُله بِالْذِّكْرِ وَالْدُّعَاءِ، وَالْتِزَام خَتْم الْقُرْآن عِنْدَ الْسَّحَرِ، وَصَلاَةُ الْصُّبْحِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ…

قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((وَعَنْ أَسَدِ بنِ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْصُّبْحَ بِوُضُوْءِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً.

وَرَوَى: بِشْرُ بنُ الوَلِيْدِ، عَنِ القَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمشِي مَعَ أَبِي حَنِيْفَةَ، إِذْ سَمِعْتُ رَجُلاً يَقُوْلُ لآخَرَ: هَذَا أَبُو حَنِيْفَةَ لاَ يَنَامُ اللَّيلَ. فَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: وَاللهِ لاَ يُتَحَدَّثُ عَنِّي بِمَا لَمْ أَفْعَلْ. فَكَانَ يُحْيِى اللَّيْلَ صَلاَةً وَتَضَرُّعاً وَدُعَاءً))(4)…

وَقَالَ أَيْضًا: ((يَحْيَى بنُ عَبْدِ الْحَمِيْدِ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ أَنَّهُ صَحِبَ أَبَا حَنِيْفَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُه صَلَّى الْغَدَاةَ إِلاَّ بِوُضُوْءِ عِشَاءِ الآخِرَةِ، وَكَانَ يَخْتِمُ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ الْسَّحَرِ))(5)…

ثَالِثًا: قِيَامُ اللَّيْل بِتَرْدِيدِ آيَةٍ مِنْ سُورَة الْقَمَر…

قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((ابْنُ سَمَاعَةَ: عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، عَنِ القَاسِمِ بنِ مَعْنٍ: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قَامَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾[القَمَرُ:46] ، وَيَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الْفَجْرِ))(5)…

رَابِعًا: تَخْصِيص كَيْفِيَّةٍ لَـمْ تَرِد عِنْدَ الْتَّصَدُّقِ…

قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((إِبْرَاهِيْمُ بنُ سَعِيْدٍ الْجَوْهَرِيُّ، عَنِ الْـمُثَنَّى بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: جَعَلَ أَبُو حَنِيْفَةَ عَلَى نَفْسِهِ، إِنْ حَلَفَ بِاللهِ صَادِقاً، أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِيْنَارٍ. وَكَانَ إِذَا أَنفَقَ عَلَى عِيَالِهِ نَفَقَةً تَصَدَّقَ بِمِثْلِهَا))(6)…

خَامِسًا:…الخ
وَكُلُّ هَذِهِ الْعِبَادَات مِنَ الْإِمَامِ الْأَعْظَم عِبَارَة عَنْ اجْتِهَادَاتٍ وَمُجَاهَدَاتٍ لاَ وُجُود لِدَلِيلٍ خَاصٍّ يَحُثُّ عَلَى الإِتْيَانِ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالْكَيْفِيَّةِ، اللَّهُمَّ إِلاَّ الْقَوْل بِدُخُولِ وَانْدِرَاجِ أَصْلِ الْعَمَلِ بِصُورَتِهَا الْخَاصَّةِ هَذِهِ، ضِمْنَ مَا نَدَبَهُ الْشَّارِعُ الْحَكِيمِ فِي عُمُومِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالْسُّنَّةِ، وَلَـمْ يُخَالِف أَصْلاً أَوْ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً. وَبِهَذَا الْأَصْل الْأَصِيل يُرَدُّ عَلَى كُلِّ مَنْ طَلَبَ دَلِيلاً خَاصًّا عَلَى إِحْيَاء لَيْلَةِ الْـمَوْلِد الْنَّبَوِي الْشَّرِيف.

وَالْظَّاهِر أَنَّ الْتَّارِيخ يُعِيدُ نَفْسَهُ، فَقَد سَجَّل بَعْض الْعُلَمَاء سُقُوط بَعْضِ الْـمُتَنَطِّعَة فِي هُوَّةِ اتِّهَامِ الْإِمَام الْأَعْظَم الْنُّعْمَان بِالْبِدْعَةِ نَظَراً لِـمُجَاهَدَاتِهِ هَذِهِ فِي الْعِبَادَةِ، بِحُجَّةِ عَدَم وُرُودِ دَلِيلٍ خَاصٍّ يَنُصُّ عَلَى طَلَبِ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْـمُحْدَثِ؟!…

نَعَمْ؛ فَلَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْهُمَامُ الْـمُحَدِّثُ عَبْدُ الْحَيِّ اللَّكْنوِي فِي دَحْضِ هَذِهِ الْتُّهْمَةِ الْشَّنِيعَةِ وَالْفِرْيَةِ الْفَظِيعَةِ، مَا نَصُّهُ: ((فَهَذِهِ الْعِبَارَات الْوَارِدَة عَنِ الْثِّقَاتِ، لَعَلَّهَا لَـمْ تَقْرَع سَمْع جُهَلاَء عَصْرنَا!، حَيْثُ يَطْعَنُونَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؟!، وَيَحُطُّونَ دَرَجَتَهُ عَنِ الْـمَرَاتِبِ الْشَّرِيفَةِ؟!…وَالْعَجَب أَنَّهُ أَدْرَجَ بَعْضهَا بَعْضُهُم فِي تَصَانِيفِهِم…وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْتَّعَبُّدِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُحِيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَهُوَ: بِدْعَةٌ ضَلاَلَةٌ؟!

وَهَذَا قَوْلٌ صَدَرَ عَنْ غَفْلَةٍ!، وَلَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِنْ سَمَاعِهِ!، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعِبَادَةِ حَسْبَ الْطَّاقَةِ كَإِحْيَاءِ اللَّيْلَةِ كُلِّهَا، وَخَتْمِ القُرْآن فِي لَيْلَةٍ، وَأَدَاءِ أَلْف رَكْعَةٍ، وَنَحْو ذَلِكَ مَنْقُولٌ بِالْنُّقُولِ الْصَّحِيحَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْصَّحَابَةِ وَالْتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُم مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، كَعُثْمَان، وَعُمَر، وَابْنِ عُمَر، وَتَمِيم الْدَّارِي، وَعَلِي، وَشَدَّاد بْنِ أَوْس رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وَمَسْرُوق، والْأَسْوَد الْنَّخَعِي، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، وَثَابِت البُنَانِي، وَزَيْن الْعَابِدِينَ عَلِي بْنِ الْحُسَيْن، وَقَتَادَة، وَمُحَمَّد بْنِ وَاسِع، وَمَنْصُور بْنِ زَاذَان، وَعَلِي بْنِ عَبْد الله بْنِ عَبَّاس، وَالْإِمَام الْشَّافِعِي، وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم الْزُّهْرِي، وَشُعْبَة بْنِ الحَجَّاج، وَالْخَطِيب الْبَغْدَادِي، وَغَيْرهم مِمَّنْ لاَ يُحْصَى عَدَدهم، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُؤَلاَءِ كلّهُم مِنْ الْـمُبْتَدِعِينَ!؟، وَمَنْ اِلْتَزَمَهُ فَهُوَ: أَكْبَرُ الْـمُبْتَدِعِينَ الْضَّالِّينَ؟!)).انْتَهَى(7)…
_______
(1) سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/399)، أَشْرَفَ عَلَى تَحْقِيقِ الْكِتَابِ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ: شُعَيْب الْأَرْنَؤُوط، مُؤَسَّسَةُ الْرِّسَالَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1402هـ-1982م.
(2) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/401).
(3) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/400).
(4) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/399).
(5) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/401).
(6) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (6/400).
(7) الْتَّعْلِيقُ الْـمُمَجَّد عَلَى مُوَطَّأِ مُحَمَّد (1/124-125) شَرْح الْعَلاَّمَة عَبْد الْـحَيِّ اللَّكْنَوِي (1264-1304هـ)، دَار الْسُّنَّة وَالْسِّيرَة: بُومْبَاي – دَارُ الْقَلَم: دِمَشْق، الْطَّبْعَةُ الأُولَى: 1412هـ-1991م.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.