الثلاثاء , فبراير 17 2026

الْأَزْهَرُ الشَّرِيفُ.. الْقَلْعَةُ السُّنِّيَّةُ الَّتِي تَجْمَعُ الْأُمَّةَ وَلَا تَذُوبُ فِي الْمَذَاهِبِ


بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

تَتَرَدَّدُ فِي هَذِهِ الْآوِنَةِ شَائِعَاتٌ وَتَأْوِيلَاتٌ بَعِيدَةٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْوَاقِعِ، تَزْعُمُ أَنَّ الْأَزْهَرَ الشَّرِيفَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى “التَّشَيُّعِ” أَوِ الْمُحَابَاةِ الْمَذْهَبِيَّةِ عَلَى حِسَابِ هُوِيَّتِهِ السُّنِّيَّةِ الرَّاسِخَةِ. وَتَأْتِي هَذِهِ الِادِّعَاءَاتُ غَالِبًا نَتِيجَةَ خَلْطٍ مُتَعَمَّدٍ أَوْ غَيْرِ وَاعٍ بَيْنَ “مَنْهَجِ التَّقْرِيبِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ” وَبَيْنَ “الثَّوَابِتِ الْعَقَدِيَّةِ” الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا الْأَزْهَرُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ.

أَوَّلًا: مَوْقِفُ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ مِنَ التَّشَيُّعِ

يُؤَكِّدُ عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْأَزْهَرَ هُوَ الْحَارِسُ الْأَمِينُ عَلَى مَذْهَبِ “أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ”.
وَمَوْقِفُ الْأَزْهَرِ مِنَ التَّشَيُّعِ لَيْسَ مَوْقِفَ عَدَاءٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ عِلْمِيٌّ مَنْهَجِيٌّ؛ فَالْأَزْهَرُ يَرْفُضُ تَمَامًا “نِظَامَ الْإِمَامَةِ” كَمَا يَطْرَحُهُ الْفِكْرُ الشِّيعِيُّ، وَيَرْفُضُ سَبَّ الصَّحَابَةِ أَوِ النَّيْلَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَبِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ خُطُوطًا حَمْرَاءَ لَا تَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ. إِنَّ تَدْرِيسَ الْمَذْهَبِ الْجَعْفَرِيِّ فِي أَرْوِقَةِ الْأَزْهَرِ لَيْسَ “تَشَيُّعًا”، بَلْ هُوَ “دِرَاسَةٌ فِقْهِيَّةٌ مُقَارَنَةٌ” تَهْدِفُ إِلَى تَخْرِيجِ عَالِمٍ مُطَّلِعٍ عَلَى كَافَّةِ الْآرَاءِ الْفِقْهِيَّةِ، مَعَ تَمَسُّكِهِ الْكَامِلِ بِعَقِيدَتِهِ السُّنِّيَّةِ.

ثَانِيًا: الدَّعْوَةُ لِلتَّقْرِيبِ.. وَحْدَةُ الْأُمَّةِ لَا وَحْدَةُ الْمَذْهَبِ

لَقَدْ كَانَ الْأَزْهَرُ دَوْمًا رَائِدًا فِي دَعَوَاتِ التَّقْرِيبِ؛ دَعْوَةُ الْأَزْهَرِ لِلتَّقْرِيبِ تَنْطَلِقُ مِنْ مَبْدَأِ “وَحْدَةِ الْأُمَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ”، وَلَيْسَ “دَمْجَ الْمَذَاهِبِ”. فَالتقْرِيبُ عِنْدَ الْأَزْهَرِ يَعْنِي الْبَحْثَ عَنِ الْمُشْتَرَكَاتِ (الْقِبْلَةِ الْوَاحِدِةِ، الْقُرْآنِ الْوَاحِدِ، الرَّسُولِ الْوَاحِدِ) وَوَقْفَ تَكْفِيرِ الْآخَرِ، وَحَقْنَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَنَازَلَ السُّنِّيُّ عَنْ سُنِّيَّتِهِ أَوْ الشِّيعِيُّ عَنْ شِيعِيَّتِهِ.

ثَالِثًا: التَّفْرِيقُ الْحَاسِمُ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالتَّشَيُّعِ

يَجِبُ عَلَى الْمُرْجِفِينَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَسَارَيْنِ:

مَسَارُ التَّقْرِيبِ: وَهُوَ مَسَارٌ دِبْلُومَاسِيٌّ وَعِلْمِيٌّ يَهْدِفُ لِوَقْفِ الصِّرَاعَاتِ الطَّائِفِيَّةِ وَحِمَايَةِ السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ.

مَسَارُ الْهُوِيَّةِ الْمَذْهَبِيَّةِ: وَهُوَ مَسَارٌ تَعْلِيمِيٌّ تَرْبَوِيٌّ يَلْتَزِمُ فِيهِ الْأَزْهَرُ بِتَدْرِيسِ وَتَأْصِيلِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ انْفِتَاحَ الْأَزْهَرِ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى هُوَ بِدَايَةٌ لِـ”تَشَيُّعِهِ” هُوَ قِرَاءَةٌ قَاصِرَةٌ تُسِيءُ لِفَهْمِ رِسَالَةِ الْأَزْهَرِ الْعَالَمِيَّةِ. سَيَبْقَى الْأَزْهَرُ “سُنِّيًّا” فِي عَقِيدَتِهِ، “إِسْلَامِيًّا” فِي وَحْدَتِهِ، مَادًّا يَدَهُ لِلْجَمِيعِ دُونَ أَنْ يُفَرِّطَ فِي ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَوَابِتِهِ التَّارِيخِيَّةِ.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.