هل التبرك بآثار الصالحين عبث وضلال؟؟؟
adminaswan
16 فبراير، 2026
شبهات حول قضايا التصوف
11 زيارة

هل التبرك بآثار الصالحين عبث وضلال؟؟؟
زعم بعض الناس ذلك.
❁ قلت: بل العبث والضلال أن تنكر ما توارد السلف والخلف على فعله، وأن تزعم أن فعل هؤلاء حرام وقبيح لهوى في نفسك، وأول من أحدث هذه البدعة هم الوهابية، وقد قال ابن باز عن التبرك بغير النبي ﷺ: “لم يفعله الصحابة مع الصديق، ولا مع عمر، ولا مع عثمان، ولا مع علي، ولا مع غيرهم، لعلمهم أن هذا خاص بالرسول ﷺ دون غيره، فالتبرك بشعره، التبرك بعرقه وبوضوئه، هذا خاص به ﷺ، أما غيره فبدعة لا يجوز، وإذا اعتقد أنه يحصل له البركة من هذا الشخص صار كفرًا أكبر، نسأل الله العافية” («فتاوى نور على الدرب» لابن باز (2/178)، بعناية الشويعر)..
❁ فانظر إلى هذا الشطط والغلو القبيح الذي يصف به المتبرك بآثار الصالحين بأنه إن اعتقد حصول البركة فإنه كافر كفرًا أكبر!!!
❁ ولنذكر عدة أمثلة تبين لك ضلال هذا الفكر بوضوح، وأن علماء الأمة قاطبة قد حملوا أحاديث التبرك على عمومها دون تخصيص فاسد:
❁ روى ابن الأعرابي بسند رجاله ثقات عن ثابت البناني أَنَّ أَنَسًا دَفَعَ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ تُفَّاحَةً، فَجَعَلَهَا فِي كَفِّهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُهَا وَيُقَبِّلُهَا، وَيَمْسَحُهَا بِوَجْهِهِ وَيقول: «تُفَّاحَةٌ مَسَّتْ كَفًّا مَسَّ كَفَّ النَّبِيِّ ﷺ» [«القبلة والمعانقة والمصافحة» (صـ64)، برقم (35)].
❁ وقال صالح ابن الإمام أحمد بن حنبل عندما وقع حريق في بيته: “ما غمَّني ما ذهب إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه”. [ذكره ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» (صـ400)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (11/230)، وابن مفلح الحنبلي في «الآداب الشرعية والمنح المرعية» (2/12) وغيرهم.
❁ ورُوي في أحداث 313هـ: “وفي هذه السنة، توفي أبو الحسن على بن محمد بن بشار الزاهد، وقبره ظاهر بالعقبة عند النجمي يُتبرَّكُ به، وكان القادر بالله رضي الله عنه يزوره دائمًا، وقال في بعض الأيام: إني لأعرف رجلًا ما تكلم منذ ثلاثين سنة بكلمة يعتذر منها، فعلم الحاضرون أنه أراد نفسه” [تاريخ الطبري وصلته 11/ 248].
❁ وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر المتوفى 463هـ عند شرحه لحديث الشجرة التي سُرَّ تحتها سبعون نبيًّا، ونصه: “إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى، وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ، بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا” (الموطأ ومسند أحمد وصحيح ابن حبان).
❁ قال الحافظ ابن عبد البر: “الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم” (التمهيد (13/67).
❁ وقال الإمام القاضي عياض المتوفى 544هـ عند ذكر حديث عِتْبان بن مالك لما طلب من النبي ﷺ أن يصلي في بيته: “فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم”. إًعكمال المعلم بفوائد مسلم» (2/631).).
❁ وقال الإمام المحدث مجد الدين ابن الأثير المتوفى 606هـ عند ترجمة الصحابي الجليل سيدنا خالد بن زيد: “وقبره قريب من سورها (أي: القسطنطينية) معروف إلى اليوم مُعَظَّم، يَسْتسقون به، فيُسْقَوْن”. [جامع الأصول 12/ 341]
❁ وقال الإمام الجليل أبو العباس القرطبي المتوفى 656هـ عن حديث التبرك بماء البئر التي كانت ترده ناقة نبي الله صالح: “أمْره ﷺ أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلًا على بعض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم، هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض” («المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (7/355)).
❁ وقال شيخ الإسلام النووي المتوفى 676هـ وهو يعدد فوائد حديث عِتْبان بن مالك: “ومنها التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم” («شرح النووي على مسلم» (5/161).).
❁ وقال الإمام علاء الدين ابن العطار المتوفى 724هـ عن حديث أبي جُحيفة وبلال في الصلاة بالمدينة: “وفي الحديث فوائد كثيرة: منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم … ومنها: استعمال فضل طهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم” («العدة في شرح العمدة» (1/380)..
❁ وقال الإمام أبو عبد الله الفاسي المعروف بابن الحاج المالكي المتوفى 737هـ في كتابه: «المدخل» عن التوسل والتبرك بقبور الصالحين: “وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَعُلِمَ مَا لله تَعَالَى بِهِمْ مِنْ الِاعْتِنَاءِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، وَمَا زَالَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَكَابِرِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا يَتَبَرَّكُونَ بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَيَجِدُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى” («المدخل» لابن الحاج (1/255).
❁ وقال الإمام شمس الدين الكِرْماني المتوفى 786هـ عند حديث صنع الناس خواتيمهم تبركًا بخاتمه الشريف: “وفيه التبرك بآثار الصالحين ولبس لباسهم” («الكواكب الدراري شرح «صحيح البخاري» (21/99).
❁ وقال الإمام الجليل ابن الملقن المتوفى 804هـ عندما صب النبي ﷺ على سيدنا جابر من وضوئه: “وفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد الصالحين ﷺ” (التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (4/327).
❁ وقال الإمام شمس الدين البِرْماوي المتوفى 831هـ عند حديث تبرك الصحابة بوضوئه ﷺ الشريف: “ففيه جَوازُ ضَرْب الخِيَام والقِبَاب، والتَّبرُّكُ بآثار الصَّالحين، وطَهارةُ المُستعمَل، ونَصْبُ علامة بين يَدَي المُصلِّي، وخدمةُ السَّادات” (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح» (14/461).
❁ ويقول الإمام المقرئ الحاذق والمحدث البارع شمس الدين ابن الجزري المتوفى 833هـ عن قبر الإمام الشاطبي إمام القراءات: “وقبره مشهور معروف، يُقصد للزيارة، وقد زرته مرات، وعرض عليَّ بعض أصحابي «الشاطبية» عند قبره، ورأيت بركة الدعاء عند قبره بالإجابة رحمه الله ورضي عنه”. («غاية النهاية في طبقات القراء» (2/23).
❁ وقال الإمام شهاب الدين ابن رسلان الشافعي المتوفى 844هـ عن حديث صب وضوئه ﷺ على المريض: “وفيه التبرك بآثار الصالحين من فضل طهور وأكل ولبس وغير ذلك مما ترتجى به البركة؛ ولأنه مما يتداوى به” («شرح «سنن أبي داود» لابن رسلان» (12/ 417).
❁ وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر المتوفى 852هـ عند ذكر حديث عِتْبان بن مالك: “فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين” («فتح الباري» لابن حجر (1/ 569).).
❁ بل أفرد الحافظ ابن حجر في كتابه: «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» بابًا بعنوان: “باب التبرك بآثار الصالحين”.
❁ ويعلق الإمام البدر العيني المتوفى 855هـ عند قوله ﷺ لأم عطية رضي الله عنها في غسل ابنته زينب رضي الله عنها: “فَإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فأعْطَانا حِقْوَهُ فَقَالَ: أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ” فيقول: “أَي: اجعلن هَذَا الْإِزَار شعارها …. وهو اصل فِي التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين” («عمدة القاري شرح «صحيح البخاري»» (8/41).
❁ وقال الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي المتوفى 902هـ في ترجمة أحمد بن إسماعيل ابن أبي بكر ابن بريد الأزهري الشافعي: “دفن بالبقيع بالقرب من قبر الإمام مالك رحمه الله وكان له مشهد حافل جدًّا، وتأسف الناس خصوصًا أهل المدينة على فقده، وقبره ظاهر يزار رحمه الله وإيانا ونفعنا ببركاته” («التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» (1/102).
❁ ويعلق العلامة أبو العباس شهاب الدين القسطلَّاني المتوفى 923هـ على الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ بردته معلِّلًا: “إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي” فيقول: “وفيه التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه” («إرشاد الساري شرح «صحيح البخاري»» (2/396).
❁ وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى 926هـ عن تمسح الناس بالنبي ﷺ وبفضل وضوئه الشريف: “وفي الحديث: جواز ضرب الخيام والقباب والتبرك بآثار الصالحين” («منحة الباري بشرح صحيح البخاري» (2/79).
❁ وقال العلامة عبد الحق الدهلوي المتوفى 1052هـ عن حديث إشعار السيدة زينب عند غسلها: “وهذا الحديث أصل في التبرك بآثار الصالحين ولباسهم كما يفعله بعض مريدي المشايخ من لبس أقمصتهم في القبر” («لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح» (4/107).
❁وقال العلامة نجم الدين الغزي الدمشقي المتوفى 1061هـ: “كذلك ينبغي التبرك بآثار الصالحين، والحرص على ما عسى أن يحصل منهم من كسوة، أو طعام، أو دراهم، أو غيرها تبركًا بآثارهم” («حسن التنبه لما ورد في التشبه» (2/546).
❁وهذه النصوص عن أئمة الحديث الشريف وحفاظه عبر تاريخ المسلمين دليل على الوهم الذي سرى إلى الوهابية في المنع من التبرك بالصحابة والتابعين وآثارهم، وتكشف لك عن القصور العلمي الذي درج عليه القوم في مخالفتهم الفجة لأئمة العلم وشراح السنة الشريفة.
❁ وهذه النقول تبين لنا شيئًا من حجم التضليل الذي أحدثه الوهابية في تحريم التوسل والتبرك بالصالحين وآثارهم على اعتبار أنها طريق إلى الشرك.
فهل هؤلاء الأئمة والعلماء عبر التاريخ يجيزون الشرك ويحللون الحرام؟
وهل كل هؤلاء خالفوا السلف في نظر الوهابية؟!
فإن لم يكن هؤلاء هم السلف فعلى الدنيا السلام.
وعلى من يخالف هؤلاء الأئمة أن يعلم أنه هو من خالف السلف وخرج على عقيدة الأمة وعلمائها وأئمتها، وأن الحق سيسأله عن هذا الضلال الذي به يستبيح عقيدة الناس، ويتخذ منه سُلَّمًا لوصف المسلمين بأنهم عبَّاد القبور، وأن الشرك قد عمَّ في المجتمعات، واتهام الناس بفساد العقيدة، وهؤلاء قوم تنقصهم الخشية من الله تعالى، وتنقصهم المعرفة الحقة بتراث أسلافهم من أئمة العلم والدين.
وبذلك يتبين لك شناعة ما قاله ابن باز حين نفى التبرك بغير النبي ﷺ وجعله من الشرك الأكبر! ونسأل الله العافية منهم ومن شرورهم، التي خالفوا بها أسلافهم، وكفَّروا أمة المصطفى ﷺ، واتهموا علماءها بالانحراف والبدعة.
د إبراهيم المرشدي الأزهري