الْكَرَامَةُ.. نُورُ الِاسْتِقَامَةِ لَا خُدَعُ الدَّجَّالِينَ: مِيزَانُ الشَّرْعِ فِي خَوَارِقِ الْعَادَاتِ
adminaswan
16 فبراير، 2026
شبهات حول قضايا التصوف
11 زيارة

بِقَلَمِ الشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الأزهر الشريف
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيَّدَ أَوْلِيَاءَهُ بِالْيَقِينِ، وَزَيَّنَ قُلُوبَهُمْ بِحَلَاوَةِ التَّمْكِينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَكْوانِ، وَمَنْبَعِ الْآيَاتِ وَالْبُرْهَانِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى نَهْجِهِ حَتَّى كَانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ مَفْطُورَةٌ عَلَى حُبِّ الْعَجَائِبِ وَالِانْبِهَارِ بِالْخَوَارِقِ، وَمِنْ هُنَا دَخَلَ الدَّجَّالُونَ لِيَلْبَسُوا ثِيَابَ الصَّالِحِينَ، فَظَنَّ الْعَامَّةُ أَنَّ “الْكَرَامَةَ” هِيَ أَنْ يَطِيرَ الْمَرْءُ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ، أَوْ يُخْبِرَ بِمَا فِي الْغَيْبِ. وَالْحَقِيقَةُ الْمَنْهَجِيَّةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْأَزْهَرِيِّينَ أَنَّ الْكَرَامَةَ فَرْعٌ عَنِ الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ “الِاسْتِقَامَةَ عَيْنُ الْكَرَامَةِ”.
مَا هِيَ الْكَرَامَةُ الْحَقِيقِيَّةُ؟
الْكَرَامَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ عَبْدٍ “صَالِحٍ” مُتَّبِعٍ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَيْسَ لَهَا مَوْسِمٌ وَلَا تُطْلَبُ بِالتَّكَلُّفِ. أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْأَمْرُ الْخَارِقُ عَلَى يَدِ فَاسِقٍ أَوْ تَارِكٍ لِلصَّلَاةِ، فَهِيَ “اسْتِدْرَاجٌ” أَوْ “شَعْوَذَةٌ” شَيْطَانِيَّةٌ لَا صِلَةَ لَهَا بِاللَّهِ.
مَوَاقِفُ وَقَصَصٌ فِي ضَبْطِ مَفْهُومِ الْكَرَامَةِ
-
مِيزَانُ الشَّرْعِ (قِصَّةُ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ):
يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ -وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْعَارِفِينَ- وَقَالَ لَهُ مَبْهُورًا: “يَا إِمَامُ، إِنَّ فُلَانًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ!”.
فَقَالَ الْإِمَامُ بِهُدُوءٍ: “وَمَا الْعَجَبُ؟
الْخَشَبَةُ تَطْفُو عَلَى الْمَاءِ، وَالْحُوتُ يَسْبَحُ فِيهِ!”.
قَالَ الرَّجُلُ: “وَلَكِنَّ فُلَانًا يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ!”.
قَالَ الْإِمَامُ: “وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، وَالطَّائِرُ يَسْبَقُ الْإِنْسَانَ!”.
فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ: “فَمَا هِيَ الْكَرَامَةُ إِذَنْ؟”.
قَالَ الْإِمَامُ: “الْكَرَامَةُ أَنْ تَجِدَ عَبْدًا مَحْدُودًا بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، يَخَافُ اللَّهَ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ طَارَتْ رُؤُوسُ الْخَلْقِ. تِلْكَ هِيَ الْمُعْجِزَةُ الْكُبْرَى”.
-
قِصَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالرَّجُلِ الْمُدَّعِي:
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- قَاعِدَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ: “إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا تَعْتَقِدُوا فِيهِ حَتَّى تَعْرِضُوا أَمْرَهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ”.
لَقَدْ أَدْرَكَ الْإِمَامُ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُعِينُ الْكَافِرَ أَوْ الدَّجَّالَ عَلَى بَعْضِ الْخَوَارِقِ لِيَفْتِنَ النَّاسَ، لَكِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُعِينُ أَحَدًا عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَا عَلَى صِدْقِ اللَّفْظِ، وَلَا عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ. فَالْمِيزَانُ هُوَ “الِاتِّبَاعُ” لَا “الِاخْتِرَاعُ”.
-
كَرَامَةُ “بَرَكَةِ الْخِدْمَةِ”:
يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا ظَلَّ يَبْحَثُ عَنْ “وَلِيٍّ” لِيَرَى مِنْهُ كَرَامَةً، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ خَيَّاطٍ بَسِيطٍ فِي دُكَّانِهِ. رَاقَبَهُ الرَّجُلُ أَيَّامًا، فَلَمْ يَرَهُ يَمْشِي عَلَى مَاءٍ وَلَا يُخْرِجُ نَارًا. فَقَالَ لَهُ: “يَا هَذَا، يَقُولُونَ أَنَّكَ وَلِيٌّ، فَأَيْنَ كَرَامَتُكَ؟”.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْخَيَّاطُ وَقَالَ: “كَرَامَتِي أَنِّي لَمْ آكُلْ دِرْهَمًا حَرَامًا مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنِّي إِذَا خِطْتُ ثَوْبًا لِأَحَدٍ أَخْلَصْتُ فِيهِ كَمَا أَخْلَصُ لِنَفْسِي، وَأَنِّي لَمْ أُفَوِّتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَطُّ”. فَبَكَى الرَّجُلُ وَقَالَ: “هَذِهِ وَاللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ خَارِقَةٍ”.
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
فَلَيْسَتْ كَرَامَاتُ الْفَتَى فِي طَيَرَانِهِ … وَلَا مَشْيِهِ فَوْقَ الْبِحَارِ لِيَعْبُرَا
وَلَكِنَّمَا نَيْلُ الْكَرَامَةِ فِي الْهُدَى … وَأَنْ يَسْتَقِيمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ طَاهِرَا
يُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ … وَيَحْمِلُ أَوْزَارَ الْعِبَادِ مُصَابِرَا
فَمَنْ ضَيَّعَ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ وَإِنْ بَدَا … لَهُ سِحْرُ جِنٍّ فَهْوَ لِلْحَقِّ خَاسِرَا
كَيْفَ نُصَحِّحُ نَظْرَتَنَا لِلْكَرَامَةِ؟
* الِاسْتِقَامَةُ هِيَ الْمَقْصِدُ: لَا تَبْحَثْ عَنْ شَيْخٍ يَكْشِفُ لَكَ “مَا فِي جَيْبِكَ”، بَلِ ابْحَثْ عَنْ عَالِمٍ يُصْلِحُ لَكَ “مَا فِي قَلْبِكَ”.
* الْحَذَرُ مِنَ الدَّجَّالِينَ: كُلُّ مَنْ يَدَّعِي الْكَرَامَةَ لِيَأْكُلَ أَمْوَالَ النَّاسِ، أَوْ لِيَتَفَاخَرَ بِهَا، فَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَنْهَجِ الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ الصَّادِقَ يَسْتُرُ كَرَامَتَهُ كَمَا تَسْتُرُ الْمَرْأَةُ حَيْضَهَا.
* أَنْتَ صَاحِبُ كَرَامَةٍ: إِذَا أَلْهَمَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ الْغَفْلَةِ، وَبِرَّ وَالِدَيْكَ عِنْدَ الْقَسْوَةِ، وَالْأَمَانَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَهَذِهِ هِيَ الْكَرَامَةُ الَّتِي يُبَاهِي بِهَا اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ.
خِتَاماً:
الْكَرَامَةُ لَيْسَتْ عَرْضًا لِلْمَهَارَاتِ، بَلْ هِيَ “مَعُونَةٌ” مِنَ اللَّهِ لِلثَّابِتِينَ عَلَى مَنْهَجِهِ. فَلَا تَجْعَلُوا الْبَهْرَجَةَ تَخْطَفُ أَبْصَارَكُمْ عَنْ نُورِ الْحَقِيقَةِ. كُنْ عَبْدًا لِلَّهِ، تَنْقَدْ لَكَ الْأَكْوَانُ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ أَعْظَمَ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ هِيَ أَنْ تَمُوتَ وَاللَّهُ عَنْكَ رَاضٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا صِدْقَ الِاسْتِقَامَةِ، وَيُعِيذَنَا مِنْ فِتَنِ الدَّجَّالِينَ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.