الصلاة على النبي ﷺ: هل معناها الدعاء له كما هو مشهور، أم أن لها معانٍ أخرى أصح وأدق؟
adminaswan
8 فبراير، 2026
أنور المصطفى
15 زيارة

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
الصلاة على النبي ﷺ: هل معناها الدعاء له كما هو مشهور، أم أن لها معانٍ أخرى أصح وأدق؟
قد يظن كثير من الناس أن الصلاة على النبي ﷺ مجرد كلمات تُنطَق، أو دعاء نردده بلا وعي، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالصلاة على النبي ﷺ تحمل معانٍ خفية وروحية راقية لا يعرفها الكثيرون، فهي ليست مجرد دعاء فحسب، بل هناك معانٍ أخرى نذكرها في هذا المقال؛ لنستكشف معاني الصلاة على النبي ﷺ، ونكشف عن أبعادها الحقيقية التي تتجاوز ما هو شائع بين الناس.
لقد تناول العلماء معنى الصلاة، واشتُهر بينهم أن أصلها في العربية هو “الدعاء”، وأنه المعنى المشهور بين العرب في استعمالهم للكلمة، ثم انتقل المعنى إلى الاصطلاح فاستُخدمت الصلاة أيضًا للدلالة على العبادات المفروضة، كالصلاة الخمس، وما يُزاد عليها من نوافل.
وبناءً على هذا الفهم اللغوي والاصطلاحي، اختلف العلماء في معنى الصلاة على النبي ﷺ، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، فبرزت اتجاهات يمكن إجمالها فيما يأتي:
الاتجاه الأول: الصلاة بمعنى الدعاء:
ويعد هذا الاتجاه الأكثر شيوعًا والأشهر بين الناس، ويرى أصحابه أن الصلاة على النبي ﷺ تعني الدعاء له، أي أن يرفع المسلم دعاءه إلى الله تعالى بأن يمنَّ على النبي ﷺ بالرحمة والمغفرة والبركة.
لكن هذا التوجه يواجه بعض الملاحظات والإشكالات الجوهرية:
1ـ الإشكال الأول: مسألة انسجام الآية:
الآية تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ…﴾ فإذا كانت الصلاة على النبي ﷺ تعني الدعاء له، يبرز سؤال: كيف يصلي الله على النبي كما يفعل عباده بدعائهم له: “اللهم صلِّ على محمد وآل محمد”؟ وهل يعني هذا أن الله يدعو للنبي غيره كما ندعوه نحن للنبي؟!
ويجيب أصحاب هذا الاتجاه بأن استعمال كلمة “الصلاة” على النبي في حق الله هنا على سبيل المجاز، وأنها لا تأتي بمعنى الدعاء، بل تعني رحمة الله وعنايته وتزكيته للنبي ﷺ، وليس الدعاء بالمعنى الذي نعرفه نحن، فيكون المعنى: إن الله يرحم النبي ﷺ، فبادِروا أنتم بالدعاء لله أن يرحمه.
2ـ الإشكال الثاني: مسألة التناسق بين صدر الآية وذيلها:
الإشكال الثاني يتجلى في أن اعتبار الصلاة على النبي ﷺ رحمة من الله تعالى، ودعاءً من العباد، يثير نوعًا من التنافر بين صدر الآية وذيلها، فالآية تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ…﴾ فهلموا أنتم لتصلوا عليه أيضًا؛ فإذا كانت صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة العباد بمعنى الدعاء، فالتكرار في هذا السياق يفقد انسجامه، ويصبح كقول المرء: “أنا وأصدقائي نمارس كرة القدم، فمارس أنت كرة القدم”، فهل تكون الممارسة واحدة ومعنى واحد، أم بمعنيين مختلفين؟ وإن اعتُبرتا بمعنيين، ظهر التنافر بين الصدر والذيل، مما يضعف وحدة المعنى ووضوح التعبير.
3ـ الإشكال الثالث: مسألة فهم معنى “الصلاة عليه” كمركب:
الإشكال الثالث يتعلق بالتركيب اللغوي لعبارة “الصلاة عليه”، فإذا اعتبرنا الصلاة دعاءً، يترتب على التركيب “الصلاة عليه” معنى الدعاء عليه، وهو مناقض للمراد، إلا إذا فسَّرنا “عليه” اختصارًا لجملة الدعاء: “اللهم صلِّ على محمد”، فيصبح مجرد إشارة إلى تركيب الدعاء، لا غير.
بهذا يتضح أن الاتجاه المشهور بأن صلاة المؤمنين على النبي بمعنى الدعاء له فيه إشكالات كثيرة قد تُضعف هذا الاتجاه.
وننتقل إلى اتجاه ثاني في معنى الصلاة على النبي:
الاتجاه الثاني في معنى الصلاة على النبي ﷺ
ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الصلاة في معناها اللغوي ليست مجرد الدعاء، بل الدعاء يُعدُّ أحد مصاديق الصلاة فقط؛ فالصلاة تطلق في اللغة أيضًا على كل ما يدل على محبة الخير للغير، أو على تعظيمه وتوقيره، أو بمعنى آخر: كل ما يظهر مودة الإنسان للآخر وخيره له، أو يعظمه ويقدّره، يُعدُّ صلاةً عليه.
ومن هذا المنطلق، أصبح الدعاء من أشهر صور الصلاة، لأن الدعاء يُعبِّر عن محبتك للشخص الذي تدعو له، وأصل الصلاة لغةً هو الثناء الجميل وإظهار الخير للغير، ولذلك تشمل التحية والمدح: فإذا حييت شخصًا، قالت العرب إنك صليت عليه، وإذا مدحت شخصًا، قالت العرب إنك صليت عليه؛ لأنك أظهرت له الحب والخير، أو لأنك عظيمته ووقرته.
وبناءً على هذا الفهم، يكون معنى الآية كالتالي: إن الله وملائكته يظهرون محبة الخير للنبي ﷺ، فهلموا أنتم أيها الناس لتظهروا محبتكم وخيركم للنبي ﷺ، فتُمجدوه، وتكرِّمونه، وترسلوا له الدعاء وغيره من صور الخير، أو أن الله وملائكته يعظمونه ويبجلوه، فتعالوا أنتم لتعظيمه وتوقيره، ويكون الدعاء مجرد أحد صور إظهار المحبة والتقدير للنبي ﷺ، لا أنه المعنى الكامل للصلاة عليه.
وهذا الاتجاه متين، ويزيل الكثير من الإشكالات التي وُجهت للاتجاه الأول.
الاتجاه الثالث في معنى الصلاة على النبي ﷺ:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن أصل كلمة الصلاة في اللغة يدل على الانعطاف والتوجه، فعبارة “صلَّى عليه” تعني الانعطاف نحوه والتوجه إليه؛ وبذلك فإن الله تعالى ينعطف نحو عباده، متوجِّهًا إليهم برحمته ومحبته، وعنايته ولطفه بأحوالهم، وبالمثل ينعطف العباد نحو بعضهم بعضًا بالتحية والسلام، والدعاء، والمدح، والثناء، والشكر، والرحمة، وتقديم العون، وما شابه ذلك من صور الخير.
وبهذا الفهم، يصبح معنى الآية الكريمة: إن الله وملائكته ينعطفون نحو رسول الله ﷺ، فانعطفوا أنتم أيضًا نحو رسول الله ﷺ بتقديركم ومحبتكم ودعائكم وثنائكم عليه.
وهذا الاتجاه قوي أيضًا ويضيف بعدًا جماليًا آخر لمعنى الصلاة على النبي ﷺ.
الاتجاه الرابع في معنى الصلاة على النبي ﷺ:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن علماء اللغة اختلفوا في جذر كلمة “الصلاة”، فذهب بعضهم إلى أنه (ص ـ ل ـ ي)، بينما ذهب آخرون إلى أنه (ص ـ ل ـ و). وإذا اعتمدنا الجَذْر الأول، فهو قادر على توحيد أغلب استعمالات الكلمة، ويُفسِّر مجمل دلالاتها في اللغة العربية، هذا الجذر يشير إلى الاتصال والتلازم والارتباط بين شيئين، ومنه قيل إن أصل الصلاة يدل على اللزوم كما ذهب إليه الزجاج (من علماء اللغة)، ومنه يُقال للفَرَس الثاني “المصلى”، أي المتصل بالفرس الأول بلا فاصل، ويُقال أيضًا “تصلاه النار” بمعنى تمسه وتتصل به.
وبناءً على هذا الفهم، تصبح الصلاة في دلالتها العامة اتصالًا بين طرفين، وتختلف تصاريفها بحسب الإضافات والتركيبات:
• “صلَّى له”: أي أتم الاتصال من أجل الآخر، فالآخر هو غاية الفعل وهدفه، مثل تقديم هدية لشخص، فالصلة هنا موجّهة له.
• “صلَّى عليه”: أي أن الاتصال نازل على الآخر، فالصلِّة تُصبُّ عليه، كما في الصدقة التي تُعطى للفقراء.
وبهذا المعنى، عندما يُستخدم الفعل في علاقة العبد بالله، تصبح الصلاة فعلاً تعبديًا يهدف إلى الاتصال بما هو أعلى، للتقرُّب إلى الله وكسب وده، وليس مجرد عبادة شكلية أو دعاء.
أما الصلاة على النبي ﷺ، فهي تنزيل للخير والبركة والرحمة عليه. وعندما يصلي الله تعالى على النبي ﷺ، فهو ينزل خيره عليه، وكذلك الملائكة. أما المؤمنون، فصلاة المؤمنين على النبي ﷺ ليست بالضرورة دعاءً لإيصال الخير إليه، بل هي تعبير عن الشكر والوفاء ورفع الذكر وإحياء فضائله ومحبته، وكل ذكر له، وكل دعاء، وكل رفع لاسمه ونشر لفضائله، وكل إظهار للمحبة له، هو صلاة وعطاء يقدمه المؤمن للنبي ﷺ.
وبهذا يصبح هذا الاتجاه مكمِّلًا للاتجاهات السابقة، إذ إن إبراز المحبة والتقدير يُسمَّى صلاة، والانحناء والانعطاف نحو الشخص يُعدُّ أيضًا صلاة، فالتفاسير الثلاثة الأخيرة – إبراز الخير، التعظيم، والانحناء – متكاملة لتفسر مختلف استخدامات كلمة الصلاة عند العرب.
وعليه: يكون معنى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ…﴾ إن الله وملائكته يقدمون محبتهم وعنايتهم وصلتهم ورحمتهم للنبي ﷺ، فتعالوا أيها المؤمنون لتقدِّموا أنتم أيضًا كل صلة وعطاء ومحبة، فاذكروه، وأحبوه، وصلوه، وأطيعوه، ومجدوه في الأرض، وأظهروا شكركم له، واحفظوا ذكره وحقوقه.
ولعل مما يؤكد هذا المعنى السياق الذي وردت فيه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فالصلاة على النبي قد يُفهم منها هنا أنَّها تقف في مقابل أذيته، وعدم احترامه وتقديره وطاعته والإيمان به.
من خلال ما سبق يتضح: أن الصلاة على النبي ﷺ ليست مجرد دعاء أو لفظ يُتلفظ به، بل هي إشعاع روحاني يربط القلب برسول الله ﷺ، ويجعل المؤمن يعيش مقامه الشريف في قلبه ووعيه؛ فهي صلة حب ووفاء واعتراف بمكانته، وتعبير عن الامتنان لرسالته وفضله، وتجديد للعهد على السير على نهجه وتعاليمه.
فليكن الالتزام بالصلاة على النبي ﷺ جسرًا يربطنا برسول الله ﷺ في حياتنا اليومية، ومصدراً لتربية النفس على المحبة، والتوقير والتعزير، والسلوك القويم، والاقتداء بأعلى القيم الأخلاقية والروحية؛ إنها عبادة تجمع بين القلب واللسان والفعل، وتُجسِّد معاني الحب والوفاء والتقدير في أسمى صورها، فتظل مناراتها باقية في الأرض، وتبقى ذكرى النبي ﷺ حيةً فينا في كل زمان ومكان.