أسرع الناس إصابة بالعين، والفرق بين نظرة الحسد ونظرة المدد، من كلام المحدِّثين رضي الله عنهم!
adminaswan
3 فبراير، 2026
العلاج الروحانى لمن فى دنياه يعانى
9 زيارة

أ.د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
أسرع الناس إصابة بالعين، والفرق بين نظرة الحسد ونظرة المدد، من كلام المحدِّثين رضي الله عنهم!
أخرج الأئمة: أحمد، والترمذي – وصحَّحه – والنسائي، وابن ماجه، من طريق عُبيد بن رفاعة، عن سيدتنا أسماء بنت عُميس – رضي الله عنها – أنها قالت: “يا رسول الله، إنَّ وُلْدَ جعفر تُسرع إليهم العينُ، أفأسترقي لهم؟” – أي: أفأطلب لهم الرقية؟ –
قال: “نعم” .. الحديث.
وله شاهد من حديث سيدنا جابر، أخرجه الإمام مسلم في [صحيحه]، قال: “رخَّص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لآل حزم في الرقية، وقال لأسماء: “ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة – نحيفة – أتصيبهم الحاجة؟”.
قال: “لا، ولكن العين تُسرع إليهم”.
قال: “ارقيهم”، فعرضتُ عليه، فقال: “ارقيهم”.
قال المُلَّا علي القاري في [مِرْقاة المفاتيح]: “قولها: (إن وُلْدَ جعفر): بضم واو، فسكون لام، وفي نسخة بفتحهما، أي: أولاد جعفر، منها، أو من غيرها، (تُسْرِع): بضم التاء، وكسر الراء، وتُفتح، أي: تَعْجل إليهم العين، وتؤثر فيهم سريعا؛ لكمال حسنهم الصوري والمعنوي!”.
قال الحافظ في [فتح الباري]: “والعين: نظرٌ باستحسان، مَشُوبٌ بحسدٍ، مِن خبيث الطبع، يحصل للمنظور فيه ضرر”.
وقال القاري: “إنما يحصل ذلك مِن سُمٍّ، يصل من عين العائن، في الهواء، إلى بدن المَعْيُون!”.
قال: “ونظير ذلك أن الحائض تضع يدها في إناء اللبن، فَيَفْسُدُ، ولو وضعتها بعد طُهرها لم يَفْسُدْ!”.
وقال المباركفوري في [تحفة الأحوذي]:
“ومذهب أهل السنة أن العين يُفسد ويُهلك، عند نظر العائن، بفعل الله تعالى، أجرى العادة أن يَخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر”.
قلت: وفي حديث السيدة أسماء هذا؛ أن كل ذي نعمة مَعْيُونٌ، وأنه كلما كثرت مواهب الله على الإنسان؛ كان أكثر عرضة للعين من غيره، وأن بعض الناس أسرع إصابة بالعين من بعض؛ لِما حباهم الله به من مواهب ونِعَمٍ وملَكاتٍ، وما أودعه فيهم من كمال في الصورة أو في المعنى، ولا زلنا نرى أكثر الناس إصابة بالعين، أهل الصلاح والتقوى والقوة والصحة والذكاء والفطانة والعلم والجمال والكمال والخُلق والأدب، من غيرهم من السفلة والأراذل والهَمَل، فكم انتكس هؤلاء الأفاضل بسبب العين، حتى جاء في الحديث أن العين تجعل الرجل يتردَّى من حالقٍ – أي يرمي بنفسه من شاهق مرتفع – كما ورد: “أكثرُ مَن يموت مِن أمتي، بعد قضاء الله؛ بالأنفس”، يعني: بالعين، وفي الحديث أيضا: “إن العين لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القبرَ، والجَملَ القِدْرَ”، وفي نفس حديث أسماء هذا: “ولو كان شيء سابقَ القدَر؛ لسبقته العين”.
وقد ألمح المُلَّا علي القاري في شرح الحديث؛ إلى معنى بديع، وهو نظرة المدد التي تكون من العارفين، وتنفع المنظور إليه، بإذن الله، كما أن نظرة الحسد تضر المنظور إليه، بإذن الله، فقال:
“وضدُّ هذا العين: نظرُ العارفين، الواصلين إلى مرتبة الرافعين مِن البَيْن حجابَ العين، فإنه – من حيث التأثير – الإكسير، يجعل الكافر مؤمنا، والفاسق صالحا، والجاهل عالما، والكلب إنسانا؛ وهذا كله لأنهم منظرون بنظر الجمال، والأغيار تحت أستار نظر الجلال، وما أحسن من قال من أرباب الحال: “لو كان لإبليس سعادة أزلية، دون الشقاوة الأبدية؛ لَما قال: “أنظرني”، بل قال: “انظر إليَّ” أو “أرني أنظر إليك”، لكن كله بقضاء وقدر، تحيَّر فيه عقول أرباب الفحول، وتطمئن قلوبهم بقوله سبحانه: “لا يُسأل عما يَفعل وهم يُسألون”، وإنما طار عقلي، فيما ذكرتّ من نقلي؛ لأنهم أولاد الطيار، أخي الكرَّار، من أهل بيت الأسرار!” انتهى كلام القاري.
فانظر إلى هذا الكلام النفيس، الخارج من مشكاة التقديس، وهو من المواطن العرفانية في كلام مولانا علي القاري، ومن دلائل ولايته واستلهامه أسرار وعلوم آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم!
وانظر إلى طربه عند خطور ذكرهم، ومرور نسيم عطرهم، حتى كاد عقله يطير، وكيف لا وهو في حبهم أسير؟!
وبالله التوفيق.