الإثنين , فبراير 2 2026

محمد بن عبد الوهاب، في عيون مؤرخي بلده، من الحنابلة!


يظن بعض الشباب المغرر بهم؛ أننا نفتري الكذب على محمد بن عبد الوهاب، ونتهمه بما ليس فيه، من تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم، ويعلم الله أننا لا نتهم مسلما بما ليس فيه، ونسأل الله ألا يجعل لمسلم علينا تباعة في الدنيا ولا في الآخرة!

وحتى لا يكون كلامنا مرسلا، بل مؤيدا بالدليل، فهذا نص نفيس، وقفت عليه، من كتاب: [السحب الوابلة، على ضرائح الحنابلة] – وانظر إلى استعماله لفظ ضرائح، وهو جمع ضريح، التي يستنكرها كثير من أتباع ابن عبد الوهاب، ظنا منهم أنها خاصة بالصوفية القبورية، مع أن الضريح بمعنى القبر، لا فرق بينهما، وقد استعملها ابن القيم في الكلام عن شيخه ابن تيمية، فما أكثر ما يدعو له عند ذكره، بنحو قوله: “وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدِّس الله روحه، ونوَّر ضريحه -“، ومن لم يصدق؛ فليبحث عن هذه الجملة ذاتها في كتب العلامة ابن القيم، كمدارج السالكين، وإعلام الموقعين!

أما كتاب: [السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة]؛ فهو للعلامة الفقيه الأديب المؤرخ المتفنن محمد بن عبد الله بن حميد النجدي – ونجد بلد ابن عبد الوهاب -، ثم المكي، الحنبلي، مفتي الحنابلة بمكة المكرمة، والإمام والمدرس بالمسجد الحرام، بالمقام الحنبلي، توفي بالطائف، سنة ١٢٩٥، ودفن بمقبرة سيدنا عبد الله بن عباس، وكان من أسرة علمية مرموقة، توارثت منصب الإفتاء مدة، وكان من عباد الله الصالحين، كما يدل عليه كلامه وأسلوبه في تراجم هذا الكتاب!
وهذا الكتاب حققه، وقدم له، وعلق عليه: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، والدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين!

وقد وصف الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين كتاب: [السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة] في مقدمة تحقيقه لكتاب: [الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد] لابن المِبْرَد الحنبلي، فقال: “[السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة]؛ كتاب ضخم، ذيّل فيه على طبقات ابن رجب، من وفيات سنة 751 هـ، حيث توقف الإمام ابن رجب، واستمر إلى قرب وفاته سنة 1295 هـ، استوعب فيه تراجِم كثيرة، ورجع إلى مصادر غنية وأصيلة، وتراجم الرجال فيه مستوفاة، وصل فيه إلى درجة قريبة من مستوى كتاب ابن رجب، مع تأخر زمنه، ورتب ابن حميد كتابه على حروف المعجم، ولم يجعله طبقات كما فعله ابن رجب…”.

ننقل هذا النص النفيس من كتاب: [السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة]، للإمام محمد بن عبد الله بن حميد النجدي، ثم المكي، وهو ثقة عند الوهابية، لا يشكُّون في صدقه وأمانته وعدالته!
قال – رحمه الله – في الترجمة رقم (٤١٥)، وهي ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب، وهو من أفاضل العلماء:

“عبد الوهّاب بن سليمان بن عليّ بن مشرّف – بوزن محمّد – التّميميّ، النّجديّ.

قرأ في الفقه على أبيه، صاحب [المنسك] المشهور، وعلى غيره، وحصّل، وتفقّه، ودرّس، وكتب على بعض المسائل الفقهيّة كتابة حسنة، توفّي سنة ١١٥٣.

وهو والد محمّد، صاحب الدّعوة الّتي انتشر شررها في الآفاق، لكن بينهما تباين، مع أنّ محمّدا لم يتظاهر بالدّعوة إلّا بعد موت والده!

وأخبرني بعض من لقيته، عن بعض أهل العلم، عن من عاصر الشّيخ عبد الوهّاب هذا؛ أنّه كان غضبانا على ولده محمّد؛ لكونه لم يَرْضَ أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته، ويتفرّس فيه أن يحدث منه أمر، فكان يقول للنّاس: “ياما ترون من محمّد، من الشّرّ!”، فقدّر الله أن صار ما صار!

وكذلك ابنه سليمان، أخو الشّيخ محمّد، كان منافيا له في دعوته، وردّ عليه ردّا جيّدا بالآيات والآثار، لكون المردود عليه – أي محمد بن عبد الوهاب – لا يقبل سواهما، ولا يلتفت إلى كلام عالم، متقدّما أو متأخّرا، كائنا من كان، غير الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة، وتلميذه ابن القيّم؛ فإنّه يرى كلامهما نصّا لا يقبل التّأويل، ويصول به على النّاس، وإن كان كلامهما على غير ما يفهم!

وسمّى الشّيخ سليمان ردّه على أخيه: [فصل الخطاب في الرّدّ على محمّد بن عبد الوهّاب]، وسلّمه الله من شرّه ومكره، مع تلك الصّولة الهائلة الّتي أرعبت الأباعد؛ فإنّه كان إذا باينه أحد، وردَّ عليه، ولم يقدر على قتله مجاهرة؛ يرسل إليه من يغتاله في فراشه، أو في السّوق، ليلا؛ لقوله بتكفير من خالفه، واستحلاله قتله!

وقيل: إنّ مجنونا كان في بلده، ومِن عادته أن يضرب مَن واجهه، ولو بالسّلاح، فأمر محمّد – أي ابن عبد الوهاب – أن يُعْطَى – أي المجنون – سيفا، ويدخل على أخيه الشّيخ سليمان، وهو في المسجد وحده، فَأُدْخِلَ عليه، فلمّا رآه الشّيخ سليمان؛ خاف منه، فرمى المجنونُ السّيفَ مِن يده، وصار يقول: “يا سليمان، لا تَخَفْ؛ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ”، ويكرّرها مِرارا، ولا شكّ أن هذه من الكرامات!”. انتهى.

وهذا نص مخيف مرعب، صاحبه غير متهم، بل هو ثقة، وقد حاول المحققان بكل وسيلة، نفي كلامه، وتأويله، فلم يمكنهما ذلك بوجه مقبول، ولكنهما لم يقدحا في صاحبه!

والنص المذكور يدل على أن أسرة محمد بن عبد الوهاب؛ كانت أسرة علمية فاضلة، توارثت منصب القضاء مدة، وأنها كانت تجري على منهج أمة الإسلام في طلب العلم وتحصيله، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر العلم وتعليم المسلمين الخير، دون تكفير أو تبديع أو استباحة دماء، حتى جاء محمد بن عبد الوهاب، فأحدث في دين الله ما ليس منه، وكفَّر، وبدِّع، واستباح دماء المسلمين، وفي :[تاريخ ابن غنام] من أتباعه، فصل بعنوان: [الغزوات]، كان يغزو أهل الإسلام، ويدع أهل الأوثان!

وأهدر كلام علماء الإسلام قاطبة، إلا ابن تيمية وابن القيم، فكلامهما عنده كنصوص القرآن والسنة، ويزيد كلامهما عن كلام القرآن والسنة؛ بأنه لا يقبل التأويل، وكان ربما فهم كلامهما على غير وجهه، وأنه كان يسرع إلى التكفير لأدنى ملابسة، فإن ظفر بمن كفَّره، وتمكن منه؛ قتله، وإلا سلط عليه من يقتله!

وحسبك دليلا على فساد مذهبه؛ غضب أبيه عليه؛ لأنه لم يتفقه في دين الله، على الطريقة المعهودة، كأسلافه من علماء الأمة، وتفرسه فيه أنه سيكون منه شر عظيم – وهذا من أبيه كرامة من كرامات الصالحين – وكذلك ردّّ أخيه الشيخ سليمان عليه، حتى همَّ بقتله، بواسطة مجنون، فنجاه الله من القتل، كرامة له!

هذا: ولم يترجم الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد؛ لابن عبد الوهاب، في الكتاب المذكور؛ ترجمة مفردة، فلعله لم يره من الحنابلة، حتى يذكره فيهم، وحق له ذلك؛ فإنه لم يكن له مذهب، فضلا عن أن يكون حنبليا؛ فإنه يخالفهم أصولا وفروعا، وإنما أحدث له مذهبا، وزعم أنه مذهب السلف!

وإنما نكثر من نقد هذا الفكر، تحذيرا للشباب منه؛ لِما رأيناه من انتشاره فيهم انتشار النار في الهشيم، ولِما فيه من الأخطار الدينية والدنيوية والأخروية على من يدين به!

وبالله التوفيق.

 أ . د : محمد إبراهيم العشماوى
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.