الوهابية كصناعة كراهية رقمية، الذباب الإلكتروني، فحش الخطاب، وتفكيك المجتمعات السنية في خدمة هندسة الفوضى العالمية
adminaswan
31 يناير، 2026
الخوارج عبر العصور
18 زيارة

الوهابية كصناعة كراهية رقمية، الذباب الإلكتروني، فحش الخطاب، وتفكيك المجتمعات السنية في خدمة هندسة الفوضى العالمية
لم يعد من الممكن تناول الظاهرة الوهابية اليوم بوصفها مجرد اتجاه عقدي متشدد نشأ في سياق تاريخي محدد، ثم استمر بوصفه خلافًا فقهيًا بين مدارس إسلامية متعددة. هذا التوصيف لم يعد كافيًا، بل صار مضللًا. الوهابية في عصر المنصات الرقمية تحولت إلى بنية اشتغال كاملة: خطاب عدواني، سلوك رقمي منظم، أدوات تقنية، ووظيفة سياسية وثقافية تتجاوز أصحابها، وتخدم – بوعي أو دون وعي – مشروعًا عالميًا يقوم على تشويه الإسلام، وتفكيك المجتمعات، وضرب المرجعيات السنية التاريخية من الداخل.
نحن أمام انتقال نوعي: من “تيار” إلى “آلة”. آلة تعمل عبر الذباب الإلكتروني، وتستثمر الخوارزميات، وتُعيد إنتاج التطرف على شكل ضجيج يومي، يطغى على أي خطاب علمي أو أخلاقي، ويصنع واقعًا وهميًا يوهم المتلقي بأن الفحش هو السنة، وأن البذاءة هي الغيرة على الدين، وأن سبّ العلماء هو شجاعة عقدية.
الذباب الإلكتروني الوهابي لا يشتغل بمنطق الحوار ولا بمنهج البحث العلمي. بنيته الأساسية قائمة على الهجوم، لا على البرهنة. لغته فقيرة علميًا لكنها مشحونة نفسيًا. لا يستدعي النصوص لفهمها، بل لاستخدامها كسياط. ولا يستحضر التاريخ لقراءته، بل لمحوِه. ولهذا، فإن أول ما يُستهدف في خطابه هم علماء الأمة، ورموزها، ومؤسساتها العلمية، لأن وجود هذه الرموز بحد ذاته يفضح خواء هذا الخطاب.
حين يهاجم هذا الذباب الأزهر، أو علماء الأشاعرة والماتريدية، أو أئمة المذاهب الأربعة، فهو لا يناقش أفكارهم، بل يسعى إلى إسقاط رمزيتهم. الهجوم يكون شخصيًا، ساخرًا، سوقيًا في كثير من الأحيان. تُستخدم ألفاظ قذرة، ونعوت جارحة، وتشكيك في النيات، واتهامات بالضلال أو العمالة أو الجهل، بلا أدنى التزام بأخلاق الخلاف التي عرفها التراث الإسلامي. هذه البذاءة ليست زلة لسان، بل استراتيجية. فالفحش يُراد له أن يصدم، أن يربك، أن يفرض نفسه على المشهد، وأن يجرّ المخالف إلى ساحة منخفضة، حيث تختفي الحجة ويعلو الصراخ.
هذا النمط السلوكي يُعيد تشكيل مفهوم “الغيرة على الدين” في وعي المتلقي، خصوصًا الشباب. فالشاب الذي يتعرض يوميًا لخطاب عدواني، يرى فيه صاحبه واثقًا، جريئًا، صداميًا، يبدأ بربط هذه الصفات بالدين ذاته. ومع الوقت، يتشوه الميزان الأخلاقي: يصبح الأدب ضعفًا، والعلم ترفًا، والحلم تمييعًا، بينما تتحول الوقاحة إلى بطولة. وهنا تقع الكارثة التربوية قبل العقدية.
وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد ناقل محايد لهذا الخطاب، بل شريك فعلي في تضخيمه. خوارزميات هذه المنصات مبنية على مبدأ بسيط: ما يثير الانفعال يُروَّج. والوهابية الرقمية تُتقن إثارة الانفعال. شتيمة عالم محترم، سخرية من مؤسسة عريقة، تكفير مبطن لملايين المسلمين، كل ذلك يولد تفاعلًا غاضبًا، مؤيدًا أو معارضًا، لكنه في كل الأحوال تفاعل. ومع كل تفاعل، تكافئ الخوارزمية المحتوى بمزيد من الانتشار.
وهكذا، تتحول البذاءة إلى عملة رقمية. ويصبح الذباب الإلكتروني لاعبًا مؤثرًا، لا لأنه يمتلك علمًا، بل لأنه يمتلك قدرة على إفساد الجو العام. ومع كثافة الحسابات الوهمية، وتكرار العبارات ذاتها، يتشكل وهم اجتماعي خطير: وهم أن هذا الخطاب يمثل “السنة” أو “السلف”، بينما هو في الحقيقة تمثيل مشوه، منبتّ عن التاريخ، ومعادٍ للتراث، ومفصول عن الأخلاق الإسلامية.
الأخطر أن هذا الذباب يعمل غالبًا دون أي مساءلة تُذكر. تُغلق حسابات لأسباب تافهة، بينما تُترك صفحات تحرّض على الكراهية الدينية، وتطعن في علماء الأمة، وتستخدم لغة فاحشة، دون حظر أو تقييد. هذا الكيل بمكيالين لا يمكن تفسيره فقط بالإهمال التقني. نحن أمام انتقائية تخدم اتجاهًا بعينه: ترك التطرف يعبث، لأنه مفيد.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: مصلحة النظام العالمي. هذا النظام، الذي يقوم على إدارة الصراعات لا حلها، لا يرى في الوهابية خطرًا عليه، بل فرصة. الوهابية تقدم له إسلامًا مشوهًا، عدائيًا، يمكن تسويقه بسهولة بوصفه تهديدًا. كلما علا صوت الذباب الوهابي، أصبح من الأسهل ربط الإسلام بالإرهاب، وتبرير السياسات القمعية، والتدخلات العسكرية، والوصاية الثقافية.
في المقابل، الإسلام السني الأشعري الماتريدي، القائم على العقل، والتعدد، والاعتراف بالخلاف، يمثل خطرًا على هذه السردية. لأنه إسلام لا يُنتج الذرائع. لا يمكن اقتطاع جملة من إمام أشعري وتحويلها إلى مادة تحريض عالمي. ولا يمكن شيطنة تاريخ قائم على الفقه، والعلم، والمؤسسات. لذلك، لا بد من ضرب هذا الإسلام من الداخل، لا عبر المواجهة الصريحة، بل عبر التشويه المستمر، والسب، والطعن، والتسفيه.
الوهابية الرقمية تقوم بهذه المهمة بكفاءة. فهي تُفرغ “السنة” من مضمونها الأخلاقي، وتملؤها بضجيج وعدوانية. ومع الوقت، يُصاب المجتمع السني بحالة إنهاك. علماء يُهاجَمون، شباب يُستقطَبون، نقاش عام ينحدر، وثقة اجتماعية تتآكل. وفي هذا المناخ، يصبح أي مشروع نهضوي أو إصلاحي مستحيلًا، لأن الأرضية نفسها تُدمَّر.
الشباب هم الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. الشاب الذي يدخل الدين عبر بوابة الذباب الإلكتروني لا يتعرف على الإسلام بوصفه منظومة قيم، بل بوصفه ساحة قتال. يتعلم أن أول ما يفعله هو الهجوم، لا الفهم. ومع أول صدمة واقعية، حين يكتشف أن هذا الخطاب لا يحل مشكلاته الوجودية ولا الأخلاقية، يبدأ الانهيار. بعضهم يزداد تطرفًا، وبعضهم ينتقل إلى الضفة الأخرى، إلى الإلحاد، لا عن قناعة فلسفية، بل عن خيبة وخذلان.
وهنا يتكامل الدور مع الصفحات الإلحادية، التي تُضخَّم بدورها. الصراع الظاهري بين الوهابية والإلحاد يخدم الهدف ذاته: سحق الوسط. فلا يبقى في المشهد إسلام متوازن، ولا عقل ديني قادر على الاستمرار. كل شيء يتحول إلى استقطاب حاد، يسهل التحكم به.
الربط بين الوهابية والماسونية، في هذا السياق، ليس ادعاء علاقة تنظيمية سرية، بل توصيف تلاقي وظيفة. الماسونية، بوصفها تعبيرًا عن شبكة نفوذ عالمية، تعمل على تفكيك الهويات، وضرب المرجعيات، ونشر الفوضى القيمية. والوهابية الرقمية تؤدي الدور ذاته داخل المجتمعات الإسلامية، لكن بغطاء ديني يجعلها أشد فتكًا.
إن أخطر ما في الذباب الإلكتروني الوهابي ليس فقط ما يقوله، بل ما يُعوِّد الناس عليه. يُعوِّدهم على الفحش، على الإساءة، على احتقار العلماء، على تسفيه التراث. ومع الاعتياد، تفقد المجتمعات مناعتها الأخلاقية. يصبح المشهد العام ملوثًا، ويصعب على الخطاب الرصين أن يجد موطئ قدم.
مواجهة هذا الخطر لا تكون بالانفعال، ولا بالهبوط إلى مستوى السباب ذاته. بل تكون أولًا بكشف البنية: فضح فحش الخطاب بوصفه أداة، لا حماسة. كشف دور الخوارزميات في تضخيمه. توضيح تلاقي المصالح بين التطرف الديني والنظام العالمي. وإعادة الاعتبار للإسلام السني التاريخي، بوصفه مشروع أخلاق وعقل وتعايش، لا مشروع صراخ وكراهية.
الوهابية الرقمية ليست ظاهرة عابرة، بل مرحلة من مراحل تفكيك الوعي. والذباب الإلكتروني ليس مجرد إزعاج، بل سلاح. ومن لا يتعامل مع هذا السلاح بوعي استراتيجي، سيجد نفسه بعد سنوات أمام أجيال فقدت ثقتها بدينها، وبعلمائها، وبذاتها. وهذا، في ميزان التاريخ، أخطر من أي معركة عسكرية.
محمد نجيب نبهان