الصوفية الحقة (1)


بقلم الدكتور : محمد القاسم

ليس كل من أطال الذكر صار عارفا بالله، ولا كل من بكى عند الموعظة صار من أهل الإحسان، ولا كل من لبس هيئة الزهد أصبح وليا من أولياء الله.
فالدين أعمق من المظاهر، والتدين الحقيقي لا يُقاس بكمية الانفعال العاطفي وحدها، كما لا يُقاس أيضا بجفاف العقل المجرد من حياة القلب.

ومن أكثر القضايا التي اختلط فيها الحق بالباطل، والمدح بالذم: قضية التصوف.
حتى أصبح الناس فريقين متقابلين:
فريق يقدّس كل ما انتسب إلى التصوف ولو خالف الوحي والعقل، وفريق يهاجم التصوف كله وكأنه لم يعرف في تاريخه إلا الانحرافات والغلو.
والحقيقة أن كلا الطرفين يختزل قضية أعقد من هذا التبسيط.

ولعل اختيارنا لتعبير الصوفية الحقة مقصود؛ لأننا لا نبحث في الأسماء بقدر ما نبحث عن الحقيقة التي وراءها: حقيقة قلبٍ يتزكى، وروحٍ تتأدب، ونفسٍ تسير إلى الله على هدى الوحي، لا على مجرد الذوق والانفعال.
فما وافق هذا المعنى فهو من الإحسان المشروع مهما اختلفت تسمياته، وما جاوزه إلى الغلو أو الابتداع فليس من الطريق إلى الله، وإن اكتسى بثوب الروحانية والذكر.

فالصوفية في أصلها التاريخي لم تكن مذهبا منفصلا عن الإسلام، ولا دينا جديدا، بل كانت محاولة لتربية النفس على الإخلاص والزهد ومحاسبة القلب والخوف من الرياء.
كان أصحابها الأوائل يخشون أن يتحول الدين إلى طقوس باردة تؤدى بالجسد بينما القلب غافل.
ولهذا انشغلوا بمقام الإحسان؛ ذلك المقام الذي لخّصه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله حينما أجاب على سؤال جبريل: “ما الإحسانُ؟ قال: أن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّك تَراه، فإن لم تَكُنْ تَراه فإنَّه يَراك..”البخاري (50) واللفظ له، ومسلم (9)
لكن المشكلة بدأت حين تحولت بعض مسارات التصوف من تزكية للنفس إلى سلطة روحية.

فأصبح الشيخ عند بعض الأتباع أعلى من النقد، وأصبح الذوق الشخصي مقدّما أحيانا على النص، واتسعت دعاوى الكرامات حتى دخلها الكذب والدجل، بل تسربت عند بعض الغلاة أفكار خطيرة كالحلول ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف باسم الوصول إلى الله.

وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح:
كل تجربة روحية لا يحكمها الوحي يمكن أن تتحول من عبادة إلى انحراف نفسي أو فكري، مهما كانت نوايا أصحابها حسنة.
فالدين ليس مشاعر فقط، وإلا لادّعى كل صاحب انفعال أنه وصل إلى الحقيقة.

لكن من السذاجة أيضا أن نتجاهل سؤالا مهما:
لماذا يهرب كثير من الناس إلى الطرق الصوفية أصلًا؟

الجواب لأن عالمنا الحديث أصبح قاسيا وماديا وسريعا بصورة مرعبة.
الناس تعبت من الجفاف الروحي، ومن الخطاب الديني الذي يحوّل الإسلام أحيانا إلى معركة جدلية بلا روح، أو إلى أحكام جامدة بلا رحمة ولا سكينة.

فيأتي التصوف ليقدّم للإنسان شيئا يفتقده: الذكر، والطمأنينة، والصحبة، والشعور بالقرب من الله.

وهنا تظهر أزمة بعض الخطابات الدينية المعاصرة؛ إذ تتحدث كثيرا عن تصحيح العقائد، لكنها أحيانا تفشل في إحياء القلوب.
والإنسان إذا حُرم غذاء القلب من منابعه الصحيحة، بحث عنه في أي طريق يَعِدُهُ بالسكينة، ولو اختلط فيه الحق بالباطل، أو حمل معه كثيرا من الخلل.

لذلك فالصوفية الحقة ليست رقصا ولا شعوذة ولا تعلقا مرضيا بالمشايخ، وليست هروبا من العلم أو الشريعة، كما أنها ليست ادعاء أسرار باطنية فوق القرآن والسنة.

الصوفية الحقة هي أن يرقّ القلب دون أن يضيع العقل، وأن يخشع الإنسان لله دون أن يُعطل ميزان العلم، وأن يجاهد نفسه على الإخلاص وهو يعلم أن الطريق إلى الله لا يُفتح بالأذواق وحدها، بل بالوحي أولا وآخرا.

فالدين إذا تحول إلى عقل بلا روح قسا، وإذا تحول إلى روح بلا علم انحرف.

ولهذا لم يكن الخطر يوما في أن يبكي الإنسان من خشية الله، بل في أن يظن أن دموعه وحدها تكفيه عن ميزان الحق. فالمشاعر مهما صدقت لا تصبح دليلا بذاتها، كما أن حرارة الروح لا تُغني عن هداية الوحي.

ولعل أزمة كثير من الناس اليوم أنهم لم يعودوا يعرفون: هل الطريق إلى الله يُبنى على حرارة الشعور أم على هداية الوحي؟ وبين هذين السؤالين وُلدت معارك التصوف قديما، وما تزال تتجدد إلى اليوم.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.