هل أنت طالب علم، أم حامل أسفار معاصر؟!
adminaswan
2 مايو، 2026
الأزهر والدعاة
12 زيارة

بقلم الدكتور : محمد القاسم
هل يمكن للنور أن يورث العشى؟
وهل يمكن لغيث العلم أن يمر على أرض القلب فلا يزيدها إلا قسوة ويباسا؟
نحن نعيش زمن الانتفاخ المعرفي والضمور الروحي في آن واحد؛ زمنٌ صار فيه العلم حجاباً لا كشافا!
إن الحقيقة المرة التي يهرب منها الكثيرون هي أن العلم قد يتحول من وسيلة للنجاة إلى أكبر عائق يمنعك من الوصول إلى الله.
لقد صنعنا من المسائل العلمية أصناماً نعبدها من دون الله، وظننا أن رصّ المتون وحشد الأقوال هو صك الغفران، وما علمنا أننا نبني قصوراً من الجليد تحت شمس الهجير.
المثقف الديني: مسخٌ معرفي لا أثر له
لقد أنتجت الساحة المعاصرة مسخا يسمى المثقف الديني؛ كائنٌ يمتلك لسان الشافعي وقلب الحجر.. يتعامل مع الوحي كأنه جثة يشرحها في معمله البارد، يبحث عن غريب الألفاظ ويغفل عن هيبة الربّ في النص.
إن العلم الذي لا يهز كيانك، ولا يسقطك باكيا في جوف الليل، هو مجرد نفايات ذهنية تحملك إلى النرجسية لا إلى الجنة.
ألم يحذرنا القرآن من هذا النموذج المعرفي الأجوف؟ {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. (الجمعة: 5).
فهل أنت طالب علم بحق، أم حامل أسفار معاصر؟!
خديعة الاستكثار: صراع الديكة فوق المتون
لماذا تحول طلب العلم إلى حلبة مصارعة؟!
لأن القلوب خلت من التزكية فامتلأت بالعجب.
إن أغلب المعارك العلمية اليوم ليست لله، بل هي انتصار للذات المتضخمة التي ترى في المعلومة سلاحا لكسر الخصم لا دواء لمداواة النفس. هذا هو العلم الذي استعاذ منه النبي ﷺ حين قال: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ” (مسلم: 2722).
إن العلم الذي ينفع هو الذي يجعلك تصمت حين يتكلم الناس، ويجعلك تتواضع حين يفتخرون، لا الذي يحولك إلى جلاد يوزع أحكام الضلال والفسق والكفر والتبديع على عباد الله.
الاستعلاء بالعلم: الطريق المختصر إلى النار.
يظن المسكين أن معرفته بالخلاف العالي وتخريج الأحاديث تمنحه حصانة؛ والحقيقة أنها تزيد من ثقل الحجة عليه. فالعلم بلا خشية هو خيانة أمانة.
اسمع لهذا الوعيد الذي يزلزل القلوب: “مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ” (الترمذي: 2654، وابن ماجه: 253).
فكم مرة طلبت العلم ليرمقك الناس بعين الإجلال؟ وكم مرة قرأت لتقول: أنا أعلم من فلان؟
وبعد؛ يا أخي:
إن العلم الذي لا يورثك ذلا وانكسارا وافتقارا بين يدي الله، هو ورم خبيث في شخصيتك يجب استئصاله. فإما أن يكون علمك نوراً يحرق شهواتك ويذيب كبرك، وإما أن يكون حطباً لنار توقد عليك.
لا تغتر بمكتبتك الضخمة، ولا بآلاف المتابعين لفوائدك؛ فإبليس كان عالماً بجلال الله وعظمته، لكنه كان يفتقد أدب العبودية، فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
إن العلم الذي لا يقودك إلى البكاء في خلوتك، وتفقدِ قلبك في سجدتك، هو علم يحتاج منك إلى توبة قبل أن يغدو حجاباً يحجبك عن رحاب الله جل جلاله.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. (فاطر: 28).
فهل أنت عبدٌ لله بعلمك، أم عبدٌ لعلمك من دون الله؟!