تأويل المجيء عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه
adminaswan
25 أبريل، 2026
عقيدة السلف الصالح
7 زيارة

د : إبراهيم شعبان المرشدي
لا يزال الوهابية ومن قبلهم ابن تيمية ينكرون التأويل ولا يعتبرونه منهجًا للسلف، مع أن سادات الأمة ورد عنهم التأويل في مسألة الصفات بكثرة بالغة، ولنضرب على ذلك مثالًا بالإمام المبجل أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
فقد ورد التأويل عن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالى ــ كما نقله الإمام البيهقي في قوله: “وأنبأنا الحاكم قال: حدثنا أبوعمرو ابن السماك، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت عمي أبا عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ يقول: احتجوا عليَّ يومئذٍ ــ يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين ــ فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك فقلت لهم: إنما هو الثواب، قال الله ــ تعالى ــ: [وَجَاء رَبُّكَ] إنما تأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ”.
وقد قال الإمام البيهقي عقب روايته لهذا الحديث: “هذا إسناد لا غبار عليه”، ووافقه الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية).
ومع ذلك تجد ابن القيم يقول عن حنبل الذي روى هذا عن الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ: “صاحب مفاريد مخالفة للمشهور في المذهب”.
وحنبل الذي يضعفه ابن القيم هنا يستدل به في كتبه كثيرًا وفي مسألة الأسماء والصفات كثيرًا، لكنه لما يروي ما يخالف عقيدته يتهمه بأنه صاحب مفاريد مخالفة للمشهور في المذهب”.
وخفي على ابن القيم أن حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن عم الإمام أحمد، قد ذكره الخطيب أحمد بن ثابت فقال: كان ثقة ثبتًا، وسُئل عنه الدارقطني فقال: كان صدوقًا، وذكره أَبُو بَكْرٍ الخلال فقال: قد جاء حنبل عَنْ أَحْمَد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب بغير شيء وإذا نظرت فِي مسائله شبهتها فِي حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم، وقال عنه الحافظ الذهبي: الحافظ الثقة”.
وقد قبل أئمة الإسلام هذا التأويل عن الإمام أحمد، وحكوه عنه قبل ابن تيمية وبعده، أما كونه يغرب في بعض المسائل فهي في مسائل الفقه، فأعجب من ابن القيم ينقلها عنه في أمور العقائد.
ناهيك أن ثبوت التأويل عن الإمام أحمد تناقله كثير من العلماء قبل ابن تيمية وابن القيم واستحسنوه منه، فلما ذكر حجة الإسلام الغزّالي عن أئمة الحنابلة الثقات أن الإمام أحمد قد أوَّل في ثلاثة مواضع، قال الإمام الزركشي: “وأنكر ابن تيمية هذا على الغزالي قال: إنه لا يصح عن أحمد.
قلت ــ أي الزركشي ــ: ونقل الثقة لا يندفع، وقد نقل ابن الجوزي في كتاب: “منهاج الوصول” عن أحمد أنه قال في قوله تعالى: وجاء ربك [الفجر: 22] أي أمر ربك”.
ومع ثبوت ذلك عن الإمام أحمد، ورواية البيهقي والغزالي وابن الجوزي وغيرهم قبل ابن تيمية وابن القيم، ومع تصحيح البيهقي والزركشي لهذه الرواية، ثم رواية الحافظ ابن كثير لها وذِكْره تصحيح البيهقي لها دون انتقاد منه على الرواية، ومع كل هذا لا يقبل الوهابية هذا التأويل عن الإمام أحمد، ويقولون المشهور عن أحمد خلافه!
وأقول:
بل المشهور عندكم أنتم فقط، أما كلام الإمام أحمد فقد رواه جماعات من أهل العلم ورضوا به عن الإمام وغيره، واعتبروه من نوع المجاز منهم: الحافظ ابن عبدالبر في التمهيد، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، والبغوي في معالم التنزيل، والزجاج في معاني القرآن، والثعلبي في الكشف والبيان، والواحدي في التفسير الوسيط، وابن عطية في المحرر الوجيز، والفخر الرازي في التفسير الكبير، والبيضاوي في أنوار التنزيل، والنسفي في مدارك التنزيل، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم، والبيضاوي في أنوار التنزيل، وأبي حيان في البحر المحيط، والخازن في لباب التأويل، وابن جزي في التسهيل، والذهبي في كتاب العرش، والشوكاني في فتح القدير، والآلوسي في روح البيان، وابن الهمام في فتح القدير، والرملي في فتاويه، والطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير وغيرهم كثير لا نحيط بهم في هذا المقام من القدامى والمحدَثين.
فهل يُقال كلهم على منهج أهل السنة مع إثباتهم لهذا التأويل وارتضائهم له، أم يُقال كلهم معطلة أو نُفاة للصفات لأجل إرضاء ابن تيمية وابن القيم؟!
هل يظل الوهابية ينكرون التأويل بعد كل هذا! ويعدونه مخالفًا لمنهج السلف! أم يعودوا إلى العلم والهدى ويتبعوا آثار أسلافهم
وأئمتهم! هدانا الله وإياهم إلى صراطه المستقيم، آمين