الجمعة , أبريل 17 2026

الانتحار جريمة ولا مبرر له .. جريمة الانتحار بين الحرمة الشرعية والدوافع النفسية


بقلم الشيخ : محمد إبراهيم شومان
مفتش مساجد سابق بمديرية أوقاف الدقهلية

من الملاحظ أن جريمة الانتحار باتت تفاجئنا أخبارها كثيرا ، وآخرها خبر هذه السيدة التي انتحرت وتركت كلمة على صفحتها توصي الناس ببناتها !!!

وبداية أقول : يجب على المراكز العلمية أن تبحث الأسباب التي تؤدي إلى هذا الحوادث ، وتزود بها اولى الأمر لعمل اللازم في التعامل معها ومنع حدوثها .

وجريمة الانتحار جديدة على مجتمعنا؛ نظرا لحرمتها الشرعية، وشناعتها المجتمعية .

والناظر إلى الناس فيها يراهم بين ناقم ومتعاطف، وبين هؤلاء وأولئك تدور بعض التساؤلات مفادها :

 

هل هناك مبرر للانتحار ؟

وهل الدعاء للمنتحر والتعاطف معه يقلل من جرمه أو يتعارض مع الحديث المشهور الوارد في بيان عقوبة قاتل نفسه ؟

وبداية أسأل الله أن يرحم جميع المسلمين بما فيهم المنتحرين .

أما عن السؤال : هل هناك مبرر للانتحار ؟

أقول : لا ليس هناك مبرر للانتحار عند من يوقن يقينا جازما بأن الأمر كله لله ، ولذلك جاء الوعيد الشديد لقاتل نفسه.

من ذلك النصوص العامة في القرآن الكريم التي تحرم تحريما قاطعا قتل النفس بغير حق ، قَال تعالى ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) وغيرها من الآيات .

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا .أهـ

( السم أي مادة قاتلة ومن أخطرها ما ظهر حديثا وهو حباية الغلة )

وحري بنا أن نتفكر : لم هذا الوعيد ؟

أولا : لأن جناية الإنسان على نفسه لا تجوز تماما كما لا يجوز لغيره أن يجني عليه .

ثانيا : لا ننكر أن هناك ظروفا نفسية ومعيشية وصحية واجتماعية قد تدفع البعض إلى اليأس من الحياة ، والظن بأنه لا جدوى ترجى من وراء البقاء فيها ، الأمر الذي يوجد البيئة النفسية التي تشجع على ذلك .

ثالثا : الانتحار ينطوي على الانهزامية والخضوع للظروف والاستسلام للمؤثرات التي يمكن التغلب عليها بمزيد من الجد والاجتهاد والصبر .

ولعلنا في ضوء ذلك نفهم هذا التحريم القاطع للانتحار ، فلو لم يكن محرما كان سهلَ الارتكاب – طبعا هذا عند من يؤمن بالله – فتحريمه يشجع على مواجهة الآلام ومقاومة الشرور وذود الإنسان عن حقه وما وهبه الله له .

ثم إن الأمل الذي يبثه الإيمان بالله في النفوس قادر على أن يجنب الإنسان اليأس ويبعده عن محاولة التخلص من الحياة .

فالخلاصة ان الانتحار لا مبرر له ، ولا يصح أبدا أن يكون وسيلة للتعامل مع مشكلات الحياة وصعوباتها .

هذا بالنسبة للسؤال الأول

أما السؤال الثاني وهو : هل التعاطف والدعاء بالرحمة للمنتحر يتعارض مع النصوص التي تحرم الانتحار أو تخليخل شيئا من الحكم المستقر بحرمة هذا الفعل ؟

أقول : لا تعارض بفضل الله ، والخلود في النار الوارد في النصوص الشرعية محمول على المكث الطويل فيها أو الخلود الدائم للمستحل لهذه الجريمة .

فالمنتحر – غير المستحل للانتحار – ما زال مسلما تجري عليه أحكام الإسلام ، ولا يكفر المسلم بمجرد ارتكاب الذنب مهما كان كبيرا – حاشا الشرك بالله – اللهم إلا إذا استحل هذا الذنب – ومعنى استحلال الذنب أن ينكر حرمة شيء معلوم تحريمه في الدين بالأدلة القطعية في ثبوتها ودلالتها وتحقيق مناطها

ولعلي أضرب مثالا يقرب ذلك :

الإفطار في نهار رمضان – بدون عذر – كبيرة من أعظم الكبائر ، وهذا أمر لا خلاف فيه عند المسلين ، فلو رأيت إنسانا مفطرا وقلت له لم تفطر يا أخي ؟ إن الله قد أوجب عليك الصيام وأنت صحيح مقيم ؟!!!

فرد وقال : لا شأن لك بي ، الله هو الذي سيحاسبني فاتركني مع ربي !!!

فهذا إنسان عاصٍ ومرتكب لكبيرة ، ولو مات في نفس اليوم فله كافة حقوق المسلم الذي مات صائما مصليا .

أما إذا قلت له : لم لا تصوم يا فلان ، فرد قائلا : ما فيه حاجة اسمها صيام !!! وما تقولونه من أن الصيام أحد أركان الإسلام فهذا شيء لا أؤمن به حتى ولو جاء في القرآن الكريم أو قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم !!!!

مثل هذا الإنسان لو أنه يعي ما يقول ، وليس حديثا في الإسلام فهو بمقولته هذه مرتد كافر ، ولو مات على هذه الحالة فلا يعامل معاملة المسلمين ، فلا يغسل ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، ولا يجوز الترحم عليه كذلك .

وهذا ينطبق تماما على المنتحر ، فلو أن هناك ظروفا نفسية دفعته لذلك – لأن الانتحار موضة في بعض البلدان ، ولا ننسى لعبة الحوت الأزرق وما فعلته في بعض الشباب – فلو أن هناك ظروفا دفعت المنتحر لذلك فنقول : إنه ارتكب كبيرة ، وفعل ذنبا عظيما ، ومع ذلك نفوض أمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .

وفي عقيدتنا نحن أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة مؤمن عاصٍ ما لم يستحلها ، فالعاصي – بغير لاشرك – ما زال في دائرة الإسلام يقينا .

وفي صحيح الإمام مسلم باب في كتاب الإيمان، وعنوان هذا الباب

( الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر )
ذكر فيه حديث الطفيل بن عمرو الدوسي، وأنه لما جاء المدينة جاء معه رجل فمرض ، فقطع مفاصل في يديه فنزف فمات ، فرآه الطفيل في المنام في هيئته حسنة ، ورآه مغطيا يديه ، فقال له: ما صنع بك ربك ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقَصَّها الطفيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم وَلِيَدَيْهِ فاغفر»

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لهذا الرجل الذي قتل نفسه ، وهذا هو الواجب علينا تجاه مثل هذه الحوادث فإن الله تعالى قال {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48

فاللهم اغفر لهذه السيدة وارحمها، واهد شبابنا للحق ووسع أرزاقهم ، واصرف السوء عنهم .

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.