حرمة جسد الإنسان بعد موته بين الفقه الإسلامي والاحتياج الطبي المعاصر
adminaswan
11 أبريل، 2026
فتاوى وقضايا
15 زيارة

بقلم: الشيخ محمد هاشم
أثار مقطع متداول لأحد النواب في البرلمان المصري، يدعو فيه إلى تقنين التبرع بجلد الإنسان بعد وفاته لاستخدامه في علاج مرضى الحروق، جدلًا واسعًا في الأوساط المجتمعية والدينية.
ولم يكن هذا الجدل نابعًا من رفضٍ للتداوي أو إنكارٍ لحاجات الطب، بقدر ما كان تعبيرًا عن قلق عميق يمسّ حرمة الإنسان وكرامته بعد موته، وحدود ما يجوز تقنينه باسم الإنسانية.
وتزداد أهمية هذه المسألة حين تُعرض على ميزان الفقه الإسلامي، لا من زاوية العاطفة أو الانفعال، بل بالرجوع إلى الأصول الراسخة التي قررها فقهاء الأمة المتبوعون.
** الأصل الفقهي في حرمة جسد الآدمي
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة، على اختلاف عباراتهم ومسالكهم، على أصلٍ كليٍّ محكم، وهو:
أن جسد الإنسان مكرَّم، وحرمة بدنه بعد الموت كحرمته حال الحياة.
وقد عبّر الفقهاء عن هذا الأصل بعبارات متعددة، من أشهرها:
«كسر عظم الميت ككسره حيًّا»
وهو حديث حسن تلقاه الفقهاء بالقبول، وبنوا عليه أحكامًا كثيرة.
وبناءً على هذا الأصل، قرروا:
تحريم التمثيل بالميت،
وتحريم قطع شيء من جسده،
وتحريم الانتفاع بأجزائه.
** وهذه أقوال المذاهب الأربعة
1. مذهب الحنفية
يرى الحنفية أن الآدمي مكرَّم لذاته، فلا يجوز الانتفاع بشيء من أجزائه، حيًّا كان أو ميتًا، ولو وُجدت مصلحة؛ لأن حرمة الإنسان مقدّمة على المنافع. ومن ثمّ فإن قطع الجلد من جسد الميت أو استخدامه للعلاج غير جائز عندهم.
2. مذهب المالكية
يشدد المالكية في هذا الباب تشديدًا ظاهرًا، ويعدّون المساس بجسد الميت من باب المثلة المحرّمة، ولا يجيزون ذلك إلا في حالة نادرة جدًّا، وهي إنقاذ نفسٍ حيّةٍ مستقلة، كشق بطن الميتة لإخراج جنين حي. أما الانتفاع بجلد الميت أو أعضائه للعلاج، فلا يجيزونه.
3. مذهب الشافعية
يقرر الشافعية أن الأصل تحريم قطع عضو من الميت، لأن حرمته باقية. ورغم توسعهم النسبي في باب الضرورات، فإنهم لا يرون أن المصالح العلاجية غير القطعية تبيح انتهاك جسد الميت، لا سيما مع وجود بدائل.
4. مذهب الحنابلة
يؤكد الحنابلة تحريم التمثيل بالميت وتحريم قطع شيء من جسده، ويُبقون الاستثناء الوحيد في إنقاذ نفس حيّة متيقّنة، لا في تحسين علاج أو تخفيف ألم مع وجود بديل.
وبهذا يتبين أن المذاهب الأربعة، في جملتها، لا تُجيز التبرع بجلد الإنسان بعد وفاته، ولا الانتفاع به طبيًا.
** قاعدة سدّ الذرائع وخطورة التقنين
من أظهر وجوه القوة في هذا الموقف الفقهي، اعتماده على أصل سد الذرائع، وهو أصل معتبر عند جمهور الفقهاء، ويقضي بمنع المباح إذا كان ذريعة إلى مفسدة راجحة.
وتقنين التبرع بجلد الإنسان – مهما حسنت النيات – يفتح أبوابًا خطيرة، منها: تحويل الجسد البشري إلى مورد طبي، وصعوبة ضبط مفهوم “الموافقة” بعد الوفاة، واحتمال تحوّل الأمر تدريجيًا إلى تجارة مقنّعة، والمساس بثقة المجتمع في حرمة الميت وكرامته.
والتاريخ والواقع يشهدان أن كثيرًا مما بدأ بدعوى إنسانية انتهى بسوق سوداء حين فُقد الضبط الأخلاقي.
** انتفاء الضرورة بوجود البديل العلمي
ومن أهم ما يعزّز قول المنع، أن الضرورة التي يُبنى عليها القول بالجواز غير متحققة؛ إذ يستطيع الطب الحديث سد هذا الاحتياج دون المساس بجسد الإنسان.
فقد أثبتت الممارسات الطبية إمكانية استخدام: جلود الحيوانات – كالأغنام والأبقار –
بعد معالجتها واستخلاص الرقائق الجلدية منها، وهي جلود متوفرة بكثرة، خاصة في مواسم الأضاحي،
ومذكاة ذكاة شرعية، ومباحة الانتفاع.
وتُستخدم هذه الجلود كأغطية مؤقتة للحروق، وتؤدي الغرض الطبي نفسه في كثير من الحالات، دون انتهاك لحرمة إنسان حي أو ميت.
** والحل النهائي المتوازن
إن الحل الشرعي والعلمي المتوازن لا يكون في: تقنين المساس بجسد الإنسان بعد موته،
بل في: توجيه البحث العلمي نحو البدائل المباحة، الاستثمار في تقنيات الجلود الحيوانية والصناعية،
الحفاظ على كرامة الإنسان بوصفها أصلًا لا يُساوَم عليه.
خلاصة القول:
وبناءً على ما قرره فقهاء المذاهب الأربعة، وبالنظر إلى قاعدة سد الذرائع، ومع توافر البدائل الطبية المشروعة، فإن القول بمنع التبرع بجلد الإنسان بعد وفاته قول قويّ الحجة، منضبط الأصول، سليم المقاصد، يجمع بين حفظ النفس، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومنع الانزلاق إلى مسارات لا يمكن ضبطها مستقبلًا. فالفقه الإسلامي لا يعارض الطب، لكنه يرفض أن يكون جسد الإنسان هو الثمن.