
تُعدّ مسألةُ الجمع بين نية العبادة وقصدٍ دنيوي من المسائل الدقيقة في الفقه، التي تبرز فيها عناية العلماء بتحقيق مقاصد الأعمال وربطها بالنيات.
وصورة المسألة: أن يقصد المكلَّف بعبادته أمرًا أخرويًا، ويُشرك معه غرضًا دنيويًا مباحًا، كمن يصلي طلبًا للأجر مع قصد تنشيط بدنه، أو يصوم بنية التعبد مع قصد الحمية، أو يتصدق قاصدًا القربة ودفع البلاء، أو يطلب العلم ابتغاء وجه الله مع تحصيل منزلةٍ أو وظيفة.
وقد اتفق فقهاء الشافعية على صحة العبادة في هذه الصور، إلا أنهم اختلفوا في مسألة الثواب: هل يُثاب على هذه العبادة مع هذا التشريك أم لا؟
ذهب العز بن عبد السلام رحمه الله إلى أنه لا ثواب له مطلقًا، مستدلًا بالحديث القدسي: «من عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك»، فاعتبر أن إشراك غير الله في القصد مانع من ترتب الأجر.
في المقابل، فصّل أبو حامد الغزالي رحمه الله في المسألة، وجعل العبرة بغلبة الباعث؛
فإن كان القصد الدنيوي هو الغالب لم يُثب، وإن كان القصد الأخروي هو الغالب أُثيب بقدره، وإن تساويا تساقطا.
وقد اعتمد هذا التفصيل كلٌّ من شمس الدين الرملي والخطيب الشربيني رحمهما الله، فجعلوه المعتمد في المذهب.
أما ابن حجر الهيتمي رحمه الله فقد وسّع دائرة الثواب، فذهب إلى أن المكلَّف يُثاب بقدر قصده الأخروي مطلقًا، سواء كان هذا القصد غالبًا أو مساويًا أو حتى مرجوحًا، ما دام لم يخلُ من نية القربة.
ومحل هذا الخلاف كلّه إنما هو فيما إذا كان القصد الدنيوي مباحًا مجردًا عن الرياء؛ أما إن دخله الرياء أو السمعة، فإن العمل يُحبط ولا ثواب فيه باتفاق العلماء، لأن الرياء ينافي الإخلاص الذي هو شرط قبول العمل.
والحاصل :
أن العبادة في حال التشريك صحيحة من حيث الإجزاء، وأما الثواب فمداره على حقيقة النية وقوة الباعث، وفي ذلك حثٌّ للمكلّف على تصفية قصده، وترجيح جانب الآخرة، حتى ينال كمال الأجر وتمام القبول.
د : صلاح راتب