
كتب الإمام شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلي المتوفى 620 هـ كتابه: (إثبات صفة العلو) وبوَّب فيه بابًا بعنوان: (ذكر الأحاديث الصريحة في أن الله تعالى في السماء)، وآخر بعنوان: (ذكر الأخبار الواردة بأن الله تعالى فوق عرشه).
فتوهم الوهابية أن الإمام ابن قدامة يخالف عقيدة السادة الأشاعرة، وأنه يثبت أن الله تعالى جالس على العرش، أو ان العرش مكان لله تعالى، والذي ينبغي أن يُعلم أن الإمام ابن قدامة الحنبلي مفوِّض على مذهب السادة الأشاعرة، وهو معدود في مفوضة الحنابلة، وإن كان لا يقول بالتأويل؛ لكنه ليس ممن يثبت النصوص على ظاهرها قط، بل هو ممن يفوض معناها وكيفيتها إلى الله تعالى، وهو بذلك يخالف قولهم: إنه بذاته على العرش، أو أن له وجها حقيقيًّا أو نحو ذلك.
وقد سبق وأكدنا مرارًا أنه ليس معنى إثبات النص الذي يقول: إنه تعالى في السماء أو على العرش استوى، أو أن الكلم الطيب يصعد إليه، ونحو ذلك مما يدل على علوه تعالى على خلقه، لا يلزم من جميعها إثبات المكان ولا علوّ الذات، بل هو إثبات لعلوه على خلقه عظمة، وتدبيرًا، وتصرفًا، وهيمنة، وقهرًا، أما المكان فهو خالقه، وحاشا للقديم أن يقوم بالحادث، فهو خالق المكان والزمان، وكان ولا يزال قبل خلقه المكان، وبعد خلقه المكان، وبعد فناء المكان على حاله، سبحانه لا يتغير ولا يزول، وإلا فأين كان الله تعالى قبل خلق المكان وقبل خلق العرش، وأين سيكون بعد فناء العرش؟
أما كلام الأئمة فكان إثباتًا للنصوص الشرعية التي أنكرتها وكذبتها الجهمية والمعتزلة والقدرية حتى إن الإمام البخاري يحكي في كتابه (خلق أفعال العباد) أن أحدهم كان يود أن يرفع من القرآن الكريم قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى)، ونص الإمام البخاري يرويه عن أبي نُعَيْمٍ الْبَلْخِيَّ أن رجلًا من أصحاب جهم كان يقَرَأَ سُورَةَ طه فَلَمَّا قَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ سَبِيلًا إِلَى حَكِّهَا لَحَكَكْتُهَا مِنَ الْمُصْحَفِ فَاحْتَمَلْتُهَا، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ الْقَصَصِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِكْرِ مُوسَى قَالَ: مَا هَذَا؟ ذَكَرَ قِصَّةً فِي مَوْضِعٍ فَلَمْ يُتِمَّهَا، ثُمَّ ذَكَرَهَا هَهُنَا فَلَمْ يُتِمَّهَا، ثُمَّ رَمَى بِالْمُصْحَفِ مِنْ حِجْرِهِ بِرِجْلَيْهِ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهِ” (خلق أفعال العباد صـ38).
ومثله كان عمل ابن خزيمة في كتابه (التوحيد وإثبات صفات الرب صـ 69) فإنه قال: “قَدْ كُنْتُ خُبِّرْتُ مُنْذُ دَهْرٍ طَوِيلٍ أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ يَدَّعِي الْعِلْمَ مِمَّنْ كَانَ يَفْهَمُ هَذَا الْبَابَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقْرَأَ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] وَكَانَ يَقْرَأُ: اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”.
فتأمل أن بعضهم كان يقرأ “نور” بتشديد الواو، لأن وصف الله بالنور عنده تشبيه! فإلى هذا الحد تجاسرت المبتدعة على رد النصوص الثابتة لا أقول في السنة، بل وصل إنكارهم إلى آيات القرآن الكريم، وهذا الملمح وحده كافٍ في تصوير المعاناة التي مرَّ بها علماء السنة وخاصة أهل الحديث مع الفرق الضالة التي أنكرت نصوص الوحيين الشريفين.
ويحكي الإمام القرطبي في التذكرة (صـ 226): ” وقد كنت تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم ونظر، ومعنا جماعة من أهل النظر فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله: {الرحمن على العرش استوى} فذكرت له هذا الحديث فما كان منه إلا أن بادر إلى عدم صحته ولعْن رواته”.
فكان عمل السلف قاطبة يقولون: نثبت أن الله تعالى في السماء، ونثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، وبعضهم كان يقول على ظاهره أو حقيقته، ولا يقصد حقيقة المعنى؛ بل يقصد حقيقة اللفظ الوارد الذي أنكرته الجهمية والمعتزلة والقدرية، وهذا وغيره يكشف لك أن معنى الإثبات ليس هو إثبات المعنى بل إثبات النصوص الشرعية التي تطاول عليها الجهمية والمعتزلة والقدرية ونحوهم.
أما ابن قدامة فقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل المتوفى 240هـ أنه قال عن الصفات: “نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى”. راجع: لمعة الاعتقاد لابن قدامة (صـ 31).
وقال في روضة الناظر وجنة المناظر (1/ 216): “ولأن قولهم {آمَنَّا بِهِ} يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه”.
ولما ذكر في كتابه (ذم التأويل صـ26) عبارة بعض السلف: “الاستواء غير مجهول” التي فهم منها الوهابية أي معلوم المعنى، قال الإمام ابن قدامة: “وَقَوْلهمْ الاسْتوَاء غير مَجْهُول أَي: غير مَجْهُول الْوُجُود؛ لِأَن الله تَعَالَى أخبر بِهِ، وَخَبره صدق يَقِينًا، لَا يجوز الشَّك فِيهِ وَلَا الإرتياب فِيهِ، فَكَانَ غير مَجْهُول لحُصُول الْعلم بِهِ، وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَلْفَاظ الاسْتوَاء مَعْلُوم”، فتنبَّه إلى فهم هذه العبارة من شيخ الحنابلة وإمامهم لترى الفارق بينه وبين الوهابية في زماننا.
ويقول ابن قدامة الحنبلي في لمعة الاعتقاد (ص31): “وكل ما جاء في القرآن، أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه”، وهو نفس منهج الأشاعرة في تفويض المعنى والكيف.
فيعلق ابن عثيمين ناقلًا عن محمد بن إبراهيم آل الشيخ (صـ 31): “وأما كلام صاحب اللمعة فهذه الكلمة مما لوحظ في هذه العقيدة، وقد لوحظ فيها عدة كلمات أخذت على المصنف … أما ما ذكره في “اللمعة” فإنه ينطبق على مذهب المفوضة، وهو من شر المذاهب وأخبثها، والمصنف ــ رحمه الله ــ إمام في السنة، وهو أبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة”.
وقال عبد الرحمن بن ناصر البراك في (إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد صـ19): ” وهذا في الحقيقة يوهم أن المؤلف -رحمه الله- يذهب إلى القول بالتفويض في بعض نصوص الصفات”.
وهذا العبث والتدليس العلمي الذي يقوله هؤلاء في تخطئة ابن قدامة وأن هذه الكلمة مما أخذت عليه في عقيدته، بطلانه يغني عن مناقشته، وكان عليهم أن يحترموا عقولهم عند تعليقهم على كلام الإمام ابن قدامة، وهو يدلل على عدم فهم الوهابية لتلك النصوص، بل وتجاسرهم المشين على أئمة الإسلام واتهامهم بما هم منه براء، والله تعالى أعلى وأعلم.
د : إبراهيم شعبان المرشدى
صوت الأزهريين