الإثنين , فبراير 9 2026

شفاءُ الصُّدورِ ببيانِ حُكمِ الطَّوافِ حولَ القُبور

الدكتور: محمد عبدالحليم المعصراوى

المُقدِّمَة؛

ينبغي –قبل الخوض في هذه المسألة، وما يندرج في معناها من النوازل الدقيقة والإشكالات المتشعبة– أن يُؤسَّس النظر على جملةٍ من الأصول الشرعية الكلية، والقواعد المنهجية المحكمة، التي قررها أئمة العلم، وضبطوا بها مسالك الحكم على الأفعال وأصحابها؛ صيانةً لجناب التوحيد من أن يُنال، وحفظًا لحرمة الإسلام وأهله من غوائل التسرع في التكفير والتبديع، والوقوع في مزالق الإفراط والتفريط.

العُنصرُ الأوَّل: تأصيلُ منهجِ الحُكمِ على الأفعالِ وأصحابِها، وصيانةُ التوحيدِ من مسالكِ الغلوِّ والتكفير:

فمن أظهر هذه الأصول وأعظمها أثرًا:
أن الأفعال الصادرة من المسلم تُحمَل ابتداءً على المحامل التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز بحالٍ المسارعة إلى تنزيل أحكام الكفر أو الشرك عليها؛ إذ إن ثبوت الإسلام بيقين قرينةٌ قوية، مانعةٌ من حمل تصرفات المسلم على ما يقتضي الكفر، ما دام الفعل محتملًا لغيره. وهذه قاعدةٌ مطردة، يتعين مراعاتها في جميع ما يصدر عن المسلمين من أقوال أو أفعال ذات وجوه واحتمالات.

وقد عبَّر عن هذا المعنى الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، بعبارته الجامعة المشهورة فقال:

> «من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعةٍ وتسعين وجهًا، ويحتمل الإيمان من وجه، حُمِل أمره على الإيمان».

ويدل على رسوخ هذا الأصل أن المسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله تعالى وحده، بخلاف المشرك الذي يعتقد جواز صرفها لغيره. فإذا صدر من المسلم فعلٌ لغير الله يحتمل في ذاته أن يكون عبادة، ويحتمل أن يكون على غير هذا الوجه، تعيَّن شرعًا حمل فعله على ما يوافق أصل اعتقاده الصحيح، لا على ما يناقضه؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين، لا يزول عنه بالشك والاحتمال.

ومن أظهر الشواهد الدالة على ذلك ما وقع من معاذ بن جبل رضي الله عنه حين سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان؛ إذ نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الفعل، ولم يصفه بالشرك ولا بالكفر. ومن المعلوم بداهةً أن معاذًا رضي الله عنه –وهو من أعلم الصحابة بالحلال والحرام– لم يكن يجهل أن السجود عبادة، ولا أن العبادة لا تُصرف إلا لله تعالى، غير أن السجود فعلٌ ذو احتمال، فلما صدر من مسلم موحِّد، امتنع حمله على وجه العبادة، فضلًا عن تكفير فاعله.

ولهذا قرر الحافظ الذهبي هذا المعنى تقريرًا بالغ الأهمية، كاشفًا عن دقة منهج السلف في هذا الباب، فقال:

> «ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: “لا”، فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلًا، بل يكون عاصيًا، فليُعَرَّف أن هذا منهي عنه، وكذلك الصلاة إلى القبر». اهـ (معجم الشيوخ، ص: 56).

وإن الإخلال بهذا الأصل الجليل، وإسقاط ضوابطه المحكمة، هو عين المسلك الذي سلكته الخوارج في باب التكفير؛ إذ بيَّن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما منشأ ضلالهم، وكشف عن أصل انحرافهم، فقال:

> «إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين».

وقد علَّق الإمام البخاري هذا الأثر في صحيحه، ووصله الإمام ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار بإسناد صحيح، وهو نصٌّ قاطع في التحذير من تنزيل نصوص الكفر على أفعال المؤمنين بغير حق، ومن تجاهل القرائن القطعية الدالة على إسلامهم وصحة اعتقادهم.

العُنصرُ الثَّاني: بيانُ حقيقةِ الوسيلةِ، وفسادُ الخلطِ بينها وبين الشِّرك:

من الأصول المنهجية الكبرى التي كَثُر الزلل فيها، ووقع بسبب إغفالها الاضطراب والاشتباه، عدمُ التمييز الدقيق بين حقيقة الوسيلة وحقيقة الشرك؛ مع أن الفارق بينهما بيِّن في الماهية، ظاهر في الحكم، بعيد في المآل، لا يلتبس إلا على من اختلط عليه ميزان التعظيم، أو اضطرب عنده مفهوم العبادة.

فالوسيلة مأمورٌ بها شرعًا بنص القرآن الكريم، أمرَ إيجابٍ وترغيب، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35].
كما أثنى سبحانه على من يتوسلون إليه في دعائهم، ويطلبون القرب منه، فقال جل شأنه:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57].

والوسيلة في أصلها اللغوي تدور معانيها حول: القُربة، والوُصلة، والمنزلة؛ وحاصل معناها الجامع: التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه وأذن به، قولًا كان أو فعلًا أو حالًا. ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظَّمه الله سبحانه من الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال؛ إذ التعظيم فرع الأمر الإلهي، ولازم من لوازم الامتثال والانقياد.

ومن ثمَّ يسعى المسلم إلى الصلاة في المسجد الحرام، ويتحرّى الدعاء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وعند الملتزم، تعظيمًا لما عظَّمه الله من الأمكنة. ويتحرّى قيام ليلة القدر، والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة، وفي ثلث الليل الآخر، تعظيمًا لما عظَّمه الله من الأزمنة. ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين، تعظيمًا لمن عظَّمه الله من الأشخاص. ويتحرى الدعاء حال السفر، وعند نزول الغيث، ونحو ذلك، تعظيمًا لما عظَّمه الله من الأحوال… وكل ذلك داخل تحت المعنى العام لقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

أما الشرك، فهو تعظيمٌ مع الله أو تعظيمٌ من دون الله. ومن هنا كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا، وكان سجود المشركين للأوثان كفرًا وشركًا، مع كون المسجود له في الحالين مخلوقًا؛ غير أن سجود الملائكة كان تعظيمًا لما عظمه الله وبأمره، فكان وسيلة مشروعة يُثاب فاعلها، بينما كان سجود المشركين تعظيمًا كتعظيم الله، فكان شركًا مذمومًا يستحق فاعله العقاب.

العُنصرُ الثَّالث: الفَرقُ بين اعتبارِ الشَّيءِ سببًا، وبين اعتقادِ كونه مُؤثِّرًا بذاتِه:

من القواعد المنهجية المحكمة التي يكثر الإخلال بها: وجوبُ التفريق بين اعتبار الشيء سببًا، وبين اعتقاد كونه خالقًا أو مؤثرًا بذاته استقلالًا؛
فالسببية باب، والتأثير الذاتي والاستقلال بالفعل باب آخر مباين له في الحقيقة والحكم.

فإذا صدر من المسلم طلبٌ، أو استعانةٌ، أو رجاءُ نفعٍ، أو دفعُ ضرٍّ من غير الله تعالى، تعيَّن حمل فعله على قصد السببية، لا على اعتقاد التأثير المستقل؛ إذ المعلوم بالضرورة من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر بيد الله وحده، وأن المخلوقات لا تؤثر إلا بإذنه، ولا تعمل إلا تحت مشيئته وقدره.

وبناءً على ذلك، لا يجوز تنزيل أفعال المسلمين على معانٍ تناقض أصل التوحيد، ولا نسبة ما يصدر عنهم إلى اعتقادات لم يلتزموها ولم يقصدوها. وإنما يكون النظر بعد ذلك في صحة اعتبار هذا الأمر سببًا شرعًا أو عرفًا؛ فإن ثبتت سببيته كان الفعل مشروعًا أو جائزًا، وإن لم تثبت كان الخلل في توهُّم السببية، لا في أصل الاعتقاد، ولا في صحة التوحيد.

الخاتِمَة:

حُكمُ الطَّوافِ حولَ القُبور:

إذا استقرت الأصول الثلاثة في الذهن، ورسخت قواعدها في الفهم، كان لزامًا أن تُستحضَر عند النظر في حكم الطواف بالقبور؛ إذ لا يصح أن يُتناول هذا الباب مبتورًا عن سياقه، ولا منفصلًا عن أصوله الحاكمة. فنحن إنما نتحدث عن أفعال تصدر من مسلمين، قصدوا زيارة القبور لما قام في قلوبهم من تعظيمٍ لصلاح أهلها، وإجلالٍ لقربهم من الله تعالى، ورغبةٍ في التقرب إليه سبحانه بزيارةٍ هي في أصلها مشروعة، ومندوبة، ومذكِّرة بالآخرة.

ومحل النظر هنا ليس في أصل الزيارة، ولا في نيات الزائرين، وإنما في بعض التصرفات التي تصدر منهم.

والله أعلى وأعلم

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.