حديث الجارية بين السلف والوهابية
adminaswan
9 أبريل، 2026
عقيدة السلف الصالح
24 زيارة

د . إبراهيم شعبان المرشدى
حديث الجارية بين السلف والوهابية
حديث الجارية من الأحاديث المشكلة، وقد وقع في فهمه أوهامٌ وأغلاطٌ عند بعض المشتغلين بالعلم، فأثبتوا منه المكان لله تعالى؟
وأرى أن سؤال المؤمن: أين الله؟
ليس له أصل في السنة الشريفة، ولم يرد أن الرسول الكريم سأل مسلمًا هذا السؤال، وإنما وُجِّه هذا السؤال إلى غير مسلمة لمعرفة حال إيمانها، وهل تعبد ما تعارف عليه الناس من الأصنام والأوثان أم تعبُدُ غير ذلك.
ولعل ما يؤيد قولي:
أن هذا السؤال لم يرد في كل المرويات بصيغة أين الله؟ وإنما ورد بصيغة أخرى تدلل على معناه الصحيح المقصود.
فقد جاءت الرواية كما في «موطأ مالك» و«مسند أحمد»، و«سنن الدارمي»: من حديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أَعْتَقْتُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْتِقْهَا».
وفي رواية أخرى كما في «سنن أبي داود» و«مسند أحمد» و«المعجم الكبير» أنه قَالَ لَهَا: “مَنْ رَبُّكِ؟ “قَالَتْ: اللهُ، قَالَ: “مَنْ أَنَا؟، فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: “أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ” .
وعلى هذا فالرواية مروية بالمعنى، وليس فيها السؤال بأين كما جاء في الرواية الأخرى المفسرة، وكلاهما ثابتتان، فوجب حمل إحداهما على الأخرى.
وعلى فرض تعدد الروايات، فإن جوابنا عن حديث الجارية الذي فيه: “أين الله؟” ما يلي:
نقرر أن السؤال بـ “أين” في فصيح اللسان العربي قد يُراد به السؤال عن المكان أو السؤال عن المكانة، وقد جاء في الاستعمال الفصيح هذا وذاك، فإنهم يقولون عند الاستعلام عن منزلة فلان من الناس: أين منزلة فلان منك؟ وأين فلان من الأمير؟
وكذا استعملوه في استعلام الفرق بين الرُّتْبَتين أو المنزلتين على جهة المقارنة، فيقولون: أين فلان من فلان؟ وأين أنت من فلان؟ ولا يريدون بذلك المكان والمحل؛ بل يريدون الاستفهام عن الرتبة والمنزلة.
وكذا يقولون: لفلان عند فلان مكان ومنزلة، ومكان فلان في قلب فلان حسن؛ ويريدون بذلك المرتبة والدرجة في التقريب والتبعيد، والإكرام والإهانة.
وإنَّا لنسأل هؤلاء سؤالًا: لِمَ حملتم اللفظ على أحد المعنيين وتركتم الآخر؟
هل لأنه أقوى من جهة الدلالة اللغوية والشرعية أم لأن ظاهره يوافق عقيدتكم؟
فنحن نجزم بأن حمل لفظ: “أين” الوارد في الحديث على معنى الرتبة والمكانة أجلّ وأكمل لجلال الله تعالى مِنْ حمْلِها على معنى المكان، وذلك لأن إثبات المكان لله ــ على زعمهم ــ ليس دليلًا على إيمانها، بقدر ما يحمل المعنى الثاني من المكانة والتعظيم لله جل جلاله فإنه الأليق بأن يُحمل كلامها على الإيمان.
فمن زعم أن الرسول ﷺ قد سألها بقوله: أين الله؟
ليستفسر عن مكان الله عز وجل فهو غِرٌّ جاهلٌ بلغة العرب وأساليبها في الخطاب؛ بل جاهلٌ بمعرفة ربه جل وعلا وسلطانه ومجده، فإنَّ الإيمان يثبت لها بما في قلبها من تعظيم لله تعالى ورفعة مكانته ومنزلته، لا بشهادتها أن مكانه تعالى في السماء.
فظهر من هذا أنَّ معنى قوله ﷺ أين الله؟
استعلام لمنزلته وقدره سبحانه عندها وفي قلبها، وإشارتها إلى السماء دليل على أنه قدره في السماء عالٍ وعظيم، على حَدِّ قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلوِّ منزلة فلان: قال: في السماء، أي: هو رفيع الشأن، عظيم المقدار، كذلك قولها: “في السماء” قد وقع على طريق الإشارة تنبيهًا عن محله في قلبها ومعرفتها به» .
وكل من له ذوقٌ بلغة العرب يعلم أنه لا يُراد بـ “أين” دائمًا المكان؟ ولا يقول بهذا إلَّا مَنْ كان جاهلًا بلغة العرب، ففي قوله صلى الله عليه وسلم ” وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ” [القصص: 74].
وفي الحديث الصحيح: «أينَ المُتأَلِّي على اللَّهِ لا يَفعَلُ المَعروفَ؟».
وكذا جاء في الصحيح: «إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ يَومَ القيامَةِ: أينَ المُتَحَابُّونَ بجَلالِي؟ اليَومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي».
ونطلق في كلامنا السؤال بـ “أين” ولا نريد إلَّا المكانة والمنزلة كقولنا: “أين علومك الباهرة”، فإنه لا يُقصد به المكان.
وكذا نقول: أين شجاعتك يا فتى؟ فإننا لا نقصد بهذا المكان مطلقًا.
إلى غير ذلك من النصوص والأقوال المشهورة التي لا يراد السؤال فيها بـ “أين” عن المكان، بل المراد المنزلة والمكانة ونحو ذلك.
والذي يؤكد على هذا المعنى ما جاء في الرواية الأخرى التي ذكرناها، والتي جاءت بلفظ صريح صحيح يؤكد ما قررناه، فلم تأت لفظة: «أين الله»، بل سألها رسول الله: مَنْ رَبُّكِ؟
قَالَتْ: اللهُ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟
فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» .
وقد فهم شراح السنن كافة هذا المعنى وقرروه في كتبهم، فقال الإمام الجليل أبو الوليد الباجي المتوفى 474هـ: «وقوله ﷺ: للجارية أين الله؟
فقالت: في السماء؛ لعلها تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل من شأنه العلو، فيقال: مكان فلان في السماء، بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه» .
وقال الإمام المازري المتوفى 536هـ: «إنّما وَجْهُ السؤال بـ (أين) هاهنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري تعالى وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته سبحانه في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدلّ استقبال الكعبة على أن الله جلَّتْ قدرته فيها، لم يدل التوجه إلى السماء، والإِشارة على أن الله تعالى حالٌّ فيها»
وقال الإمام شرف الدين الطيبي المتوفى 743هـ: «لم يرد السؤال عن مكانه؛ فإنه منزَّهٌ عنه، والرسول ﷺ أعلي من أن يسأل أمثال ذلك، بل أراد أن يتعرف أنها موحدة أو مشركة؛ لأن كفار العرب كانوا يعبدون الأصنام، فكان لكل قوم منهم صنم مخصوص يكون فيما بينهم يعبدونه ويعظمونه، ولعل سفهاءهم وجهلتهم كانوا لا يعرفون معبودًا غيره، فأراد أن يتعرف أنها ما تعبد، فلما قالت: “في السماء”
وفي رواية: “أشارت إلي السماء” فهم منها أنها موحدة، تريد بذلك نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانًا له تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» .
وقد قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر المتوفى 852هـ: «فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه مما يقتضي التشبيه؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا».
وقال عند حديث النزول: “استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يُفضي إلى التحيُّز، تعالى الله عن ذلك” .
وقال الإمام البدر العيني المتوفى 855هـ: «إنما أراد ﷺ أن يَتطلبَ دليلًا على أنها مُوحِّدَة، فخاطبَها بما يفهم قصدها؛ إذ من علامات الموحِّدين: التوجهُ إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبدُ الأصنامَ تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأرادَ ﷺ الكشفَ عن مُعتقدها هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء، وهي الجهة المقصودة عند الموحدين» .
وقال العلامة المُناوي المتوفى 1031هـ: «فأشارت إلى السماء معبرة عن الجلال والعظمة لا عن المكان، وإنما ينسب إلى السماء؛ لأنها أعظم وأوسع من الأرض، أو لعلوها وارتفاعها، أو لأنها قبلة الدعاء».
وبهذا ترى كيف فهم أئمة الحديث وعلماء الأمة حديث الجارية لترى حجم التضليل الذي يمارسه الوهابية على النصوص الشرعية، ونسأل الله تعالى أن يهديهم، وأن يعودوا إلى منهج أهل السنة والسلف، آمين آمين.