الإثنين , أكتوبر 5 2026

فضلِ الصلاةِ والسلامِ على حضرةِ سيدنا رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسلم


بقلم الدكتور : عبدالرحمن العطار


*بسم الله الرحمن الرحيم*
والصلاة والسلام على حضرة الرسول الأعظم والنبي الأكرم سيدنا محمد النبي الأمي وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلي يوم الدين وبعد .

فإن الله تعالى لم يفرض على عباده عبادة يشاركهم فيها هو وملائكته إلا الصلاة على نبيه، فقال تعظيما لقدره: *﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾*، فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، ثم أمر عباده المؤمنين، فهذا بحث جامع في فضلها لغةً ونصاً وأثراً.

الفصل الأول: التحقيق اللغوي الدقيق

*1- مادة (ص ل و):*
يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان، أحدهما التعظيم، والآخر الإحراق. فالصلاة من التعظيم، لأنها تعظم الرب، وتعظم المصلى عليه.

والصلا: وسط الظهر، والمصلي في الخيل هو الذي يأتي تالياً للسابق، رأسه عند صلا السابق، فكأن المصلِّي على النبي تالٍ له متبعٌ لأثره، جاء في صلاه.

*2- الفارق بين الصلاة والرحمة:*
ذهب جمهور المحققين أن صلاة الله ليست مجرد رحمة، بل هي أخص من الرحمة، لأن الله يرحم الكافر في الدنيا ولا يصلي عليه. فصلاة الله: ثناؤه وإظهار شرفه وإعلاء ذكره في الملأ الأعلى.
وهذا قول أبي العالية وابن عباس واختاره البخاري.

قال ابن القيم: “الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى ثناء مقروناً بالمحبة والكرامة”.

*3- معنى السلام:*
السلام مصدر سلم، وهو إما بمعنى السلامة، أي: سلمت من كل آفة، وإما اسم من أسماء الله، ومعناه: الله عليك حفيظ ورقيب.
قال ابن حجر: “السلام بمعنى السلامة، كأنك تقول: اللهم احفظه وسلمه من كل نقص”.

فالصلاة طلب رفعة، والسلام طلب حفظ وسلامة، فجمع الله لكماله بين الكمالين.

الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم

*الدليل الأول – آية الأحزاب وهي الأصل:*
*﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾*

اللطائف البلاغية فيها:
– جاءت بـ (إن) المؤكدة.
– جاءت بالفعل المضارع (يصلون) الدال على الدوام والاستمرار لا الانقطاع.
– قدّم صلاة الله وملائكته على أمر المؤمنين، ليكون ذلك ترغيباً.
– نكر لفظ (تسليما) للتعظيم.

*الدليل الثاني:*
*﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾* [الأحزاب: 43]
فإذا كانت صلاته علينا سبب خروجنا من الظلمات، فصلاته على نبيه سبب لخروج الوجود كله من الظلمة إلى النور.

الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية الصحيحة

*الحديث الأول: المضاعفة العشرية*
قال رسول الله: *«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ»* [النسائي 1297 صحيح]

قال العلماء: صلاة الله عليك أن يذكرك فيمن عنده عشر مرات.

*الحديث الثاني: أولى الناس به*
*«أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً»* [الترمذي 484 حسن]
أولى: أي أقرب مجلساً وأحق بشفاعة.

*الحديث الثالث: حديث الهم والذنب الجامع*
عن أبي بن كعب قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: *«إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ»* [الترمذي 2457 حسن صحيح]
قال الشوكاني: في هاتين الخصلتين جماع خير الدنيا والآخرة.

*الحديث الرابع: البخيل الحقيقي*
*«الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»* [الترمذي 3546 صحيح]
لأنه بخل على نفسه بالرحمة.

*الحديث الخامس: رد السلام*
*«مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»* [أبو داود 2041]
فيه حياة برزخية خاصة له صلى الله عليه وسلم.

*الحديث السادس: عرض الصلاة*
*«إِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»* [أبو داود 1047] قالوا كيف؟ قال: *«إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»*

الفصل الرابع: أسرار وفضائل مروية عن السلف

قال سهل التستري: الصلاة على النبي أفضل العبادات لأن الله تولاها هو وملائكته ثم أمر بها المؤمنين.

وقال ابن عطاء الله: من فاته كثرة الصيام والقيام فليشغل نفسه بالصلاة على رسول الله، فإنك لو فعلت في عمرك كل الطاعات ثم صلى الله عليك صلاة واحدة رجحت تلك الصلاة الواحدة على كل ما عملته.

وقال الإمام الشافعي: أحب كثرة الصلاة على النبي في كل حال، وأنا في يوم الجمعة وليلتها أشد استحباباً.

وقال القاضي عياض في الشفا: واعلم أن في الصلاة عليه ثلاث خصال: صلاة من الله، وصلاة من الملائكة، وصلاة من المؤمنين، وصلاة الله رحمة وتعظيم، وصلاة الملائكة استغفار، وصلاة المؤمنين دعاء.

الفصل الخامس: ثمراتها في الدنيا والآخرة

جمعها ابن القيم في جلاء الأفهام في 40 فائدة، منها:

1. امتثال أمر الله.
2. موافقة الله وملائكته.
3. سبب لنيل شفاعته.
4. سبب لغفران الذنوب.
5. سبب لكفاية العبد ما أهمه.
6. سبب لقضاء الحوائج، فكل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي.
7. سبب لطيب المجلس.
8. تنفي عن العبد صفة البخل والنفاق.
9. نور على الصراط يوم القيامة.
10. سبب للبركة في الرزق والعمر.

*الخاتمة:*

فالصلاة على حضرته ليست كلمات تردد، بل هي صلة روحية، وحبل ممدود بين العبد المحب وحبيبه، من أكثر منها فقد أحبه الله ورسوله، ومن أحبه الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
*اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ النبي الأمي، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، صلاةً دائمةً بدوام ملكك، باقيةً ببقائك، عدد كمالك وكما يليق بكماله.*

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.