ليلةُ النِّصفِ من شعبان ليلةُ جمعِ كلمةِ الأمة، ولمِّ شملِها، ووحدةِ صفِّها
adminaswan
1 فبراير، 2026
شبهات حول قضايا التصوف
23 زيارة

بقلم أ : محمد عطية
معلم أول بالأزهر الشريف
اتفق جمهور العلماء من المذاهب الأربعة على استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان بسائر أنواع العبادة والطاعة المشروعة ولكنهم اختلفوا في إحيائها على الانفراد أو الاجتماع لها
أما الحنفية والمالكية فقد نصوا على كراهية الاجتماع على إحياء ليلة النصف وغيرها من الليالي الفاضلة في المساجد، أما الشافعية فقد نصوا على جواز الاجتماع للذكر والدعاء، وأما الصلاة فتؤدَّى فرادى، أما الحنابلة فقد نص بعضهم على جواز الاجتماع ليلتها، وأداء الصلاة جماعة، ونص بعضهم على منعه.
مستندين إلى أحاديث نبوية يشدُّ بعضها بعضًا، أبرزها حديث سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَطَّلِعُ اللهُ عز وجل على خلقه ليلةَ النصفِ من شعبان، فيغفرُ لجميع خلقه، إلا لمشركٍ أو مشاحن».
هذا الحديث صححه وحسنه كثير من المحدثين، منهم: ابن حبان، والطبراني، والمنذري، والهيثمي، والبيهقي، والسيوطي، ومن المتأخرين الألباني وشعيب الأرنؤوط. ومما يقطع دابر اللبس في هذه المسألة ما تقرر في علوم الحديث تحت قاعدة: «كثرة الطرق تقوي الحديث».
فلو نازع البعض في ثبوت حديث معاذ بمفرده، فإن المقرر عند المحدثين أن الحديث الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره إذا تعددت طرقه، بشرط أن يكون سبب الضعف راجعًا إلى انقطاع، أو إرسال، أو جهالة، أو سوء حفظ، لا إلى فسق الراوي أو اتهامه بالكذب. وبما أن أحاديث ليلة النصف من شعبان قد تعددت طرقها، والتي تزيد على اثني عشر حديثًا، فإنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الاحتجاج، ويصبح العمل بها والاعتقاد بفضلها موافقًا للأصول العلمية المعتبرة.
قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، نقلًا عن عطاء بن يسار:
«ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم» [لطائف المعارف].
قال الإمام العلامة الفاكهي:
«كان أهل مكة فيما مضى إلى اليوم إذا كانت ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلّوا وطافوا وأحيوا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام حتى يختموا القرآن كله، وأخذوا من ماء زمزم تلك الليلة فشربوا واغتسلوا به، وأعطوه للمرضى يبتغون بذلك البركة في هذه الليلة» [أخبار مكة للفاكهي].
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
«وليلة النصف من شعبان قد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد؛ لتعدد الأحاديث الواردة فيها وما يصدق ذلك من آثار السلف، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن، وإن كان قد وُضع فيها أشياء أخر» [اقتضاء الصراط المستقيم]
قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ناقلاً عن خالد بن معدان:
«خمس ليالٍ في السنة من واظب عليهن رجاء ثوابهن وتصديقًا بوعدهن أدخله الله الجنة: أول ليلة من رجب يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة، وليلة الفطر، وليلة الأضحى» [التلخيص الحبير].
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
«إن الدعاء يُستجاب في خمس ليالٍ: ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان» [الأم للشافعي نقلاً عن التلخيص الحبير].
قال الإمام ابن نجيم:
«ومن المندوبات إحياء ليلة النصف من شعبان كما وردت بها أحاديث كثيرة، وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة، والمراد بإحياء الليل قيامه، وظاهره الاستيعاب» [البحر الرائق]
قال الإمام زكريا الأنصاري:
«يتأكد استحباب إحياء ليلتي العيد بالعبادة والدعاء فيهما، وفي ليلة الجمعة، وليلة أول رجب، ونصف شعبان مستجاب، فيستحب فيهما الإحياء» [أسنى المطالب].
قال الإمام ابن مفلح الحنبلي :
«يستحب الاجتماع ليلة النصف من شعبان لما لها من فضيلة في المنقول عن أحمد، وقد روى أحمد وجماعة من أصحابنا وغيرهم في فضلها أشياء مشهورة في كتب الحديث» [الفروع]
ولو لم يكن في أفضلية ليلة النصف من شعبان إلا أنها كانت توقيتًا لنزول الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، حيث قال بها بعض العلماء مثل: السخاوي، والسيوطي، والقسطلاني، والنبهاني وغيرهم، لكفى بذلك شرفًا.
ايضا ذهبت طائفة من المحققين من أهل العلم إلى أن تحويل القبلة كان في ليلة النصف من شعبان في السنة الثانية للهجرة وهو قول مروي عن جماعة من السلف رجحه الإمام النووي، ونقله الطبري وابن سعد وابن عبد البر والقرطبي وابن كثير.
ايضا روي عن السلف الصالح ان الآجال والأعمال تقضي وترفع في ليلة النصف من شعبان
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:«إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر» [تفسير البغوي].
وعن عكرمة:
«في ليلة النصف من شعبان يُبرم فيه أمر السنة، وتُنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد» [تفسير ابن جرير، وذكره السيوطي في الدر المنثور].
وعن عطاء بن يسار:
«تنسخ في النصف من شعبان الآجال، حتى إن الرجل يخرج مسافرًا وقد نسخ من الأحياء إلى الأموات، ويتزوج وقد نسخ من الأحياء إلى الأموات» [مصنف عبد الرزاق].
«إذا كانت ليلة النصف من شعبان دُفعت إلى ملك الموت صحيفة، فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة؛ فإن العبد ليفرش الفراش، وينكح الأزواج، ويبني البنيان، وإن اسمه قد نسخ في الموتى» [مصنف عبد الرزاق].
وختاما إلى أولئك الذين لا همّ لهم إلا تفريق الأمه وتشتيتها وتمزيقها بتلبيس ابليس عليهم باسم حراس العقيده واتباع السنن وتضييق رحمة الله على عباده كفّوا ألسنتكم عن عباد الله ودعو الخلق للخالق لو خلقتموهم لرحمتموهم
فالعالِم الحق هو الذي يوحّد كلمة الأمة ويُعظّم لياليها المباركة ويُذكّر الناس بأيام الله﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ حتى وإن لم يرد في ذلك إلا حديث واحد ضعيف غير شديد الضعف [قال الإمام أحمد بن حنبل إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا ]
لأن لمّ شمل الأمة وسلامة الصدور ووحدة الصف هي جوهر العقيدة الصحيحة وصمام امانها ونصرة الشريعة ومقصدها الأعظم
فاللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك..
فـوثّق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك.. إنك نعم المولى ونعم النصير
والله تعالى اعلي وأعلم وأكرم
وصلى الله وسلم وكرم وشرف على حضرة سيدنا النبي محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين