مهم جدًّا: حكم الاستدلال بالحديث الضعيف في الأحكام
adminaswan
28 يناير، 2026
منوعات
4 زيارة

مهم جدًّا: حكم الاستدلال بالحديث الضعيف في الأحكام
يشيع عند كثير من الباحثين أنَّ الحديث الضعيف لا يستفاد منه بيان حكمٍ شرعيٍّ، وأنهم كانوا يتساهلون في الفضائل وإذا تكلموا في الحلال والحرام تشددوا.
ونحن نقرر هنا عدة أشياء مهمة لعلها تبين المراد من هذه المقولة، وهي في نقاط:
1 ــ الضعيف المراد هنا ما ليس مقطوعًا بكذبه، والغالب فيه أن يكون له أصل من الكتاب والسنة، بخلاف الموضوع فهو مرفوض؛ وإن شهد له أصل، فلا يصح الاحتجاج به؛ لأنه مقطوع بكذبه، وقد استدل الفقهاء في مواضع كثيرة بالحديث الضعيف وأخذوا به، وبنوا كثيرًا من أحكامهم عليه، وهذا معنى قول الإمام أحمد وغيره: “العمل بالضعيف أولى من القياس”.
2 ــ قصْدُهُم بالضعيف هنا ليس هو شديد الضعف، ولا هو الحديث الشاذ، ولا من فيه راوٍ متهم، ولكن قصدوا به ما نزل عن رتبة الحسن قليلًا، أو فيه راوٍ مختلف في الحكم عليه،
أما قول بعضهم: إن المراد بالضعيف الحسن فغير مسلَّم؛ لأن ما كان مقبولًا يحتج به في الجملة حسنًا كان أو صحيحًا، أمَّا ما في راويه نزاع، فهو محل الكلام، وقد شاعت مقولة الإمام أحمد: “ضعيف الأثر خير من قوي النظر”، فضعيف الأثر نزل عنده عن رتبة القبول، ولم يكونوا يقسمون الحديث إلَّا إلى صحيح وضعيف في المشهور عنهم، أو مقبول وغير مقبول، ثم اشتهر التقسيم المشهور صحيح، وحسن، وضعيف.
3 ــ منع العلماء الاستدلال بالحديث الضعيف إذا كان يعارض نصًّا صحيحًا صريحًا، فإذا لم توجَد المعارضة فيجوز أن يُستدَل بالضعيف، وعلى ذلك جرى عمل الأئمة من المذاهب الأربعة،
قال أبوموسى المديني المتوفى 581هـ نقلًا عن الإمام أحمد لولده: “يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه”.
وهذا قيد واضح من الإمام أحمد، وهو ألَّا يخالف الحديثُ الضعيفُ حديثًا صحيحًا، فإذا لم توجد مخالفة فقد أطبق العلماء على العمل بالحديث الضعيف وكتبهم شاهدة بذلك.
4 ــ يُعْمَلُ بالضعيف في الحلال والحرام إذا كان فيه حفظ للشريعة وصيانة عن الوقوع في الحرام، وقد نص على ذلك الإمام السيوطي بقوله: “ويُعمل بالضعيف أيضًا في الأحكام، إذا كان فيه احتياط”.
5 ــ ما تلقته الأمة بالقبول من الضعيف يُعمل به في الأحكام وغيرها،
قال الحافظ السخاوي: “إذا تلقت الأمة الضعيفَ بالقبول يُعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به؛
ولهذا قال الشافعي – رحمه الله – في حديث: «لا وصية لوارث»: إنه لا يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية له”.
واستدل الإمام أحمد بالضعيف فعوتب في ذلك فقال: “إِنَّمَا يضعف إِسْنَاده، وَلَكِن الْعَمَل عليه”.
6 ــ إذا كان للضعيف أصل يحتج به قوي للعمل به في الأحكام الشرعية، كحديث: “وَلَا تجسسوا ولا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا” فإنه مع ضعفه سندًا إلَّا أن صيغته بعينها في الْقُرآن الكريم، ونحوه كثير.
7 ــ يبقى الحديث الضعيف على ضعفه، وإن عُمِلَ به في الفضائل أو الأحكام، مع اعتباره والأخذ به، ولذا قال الحافظ السيوطي في ألفيَّته:
وَلَمْ يَرَوْا فُتْيَاهُ أوْ عَمَلَهُ
عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ تَصْحِيْحًا لَهُ
أي: لم ير جمهور المحدثين فتيا الفقيه أو عمل الناس بالضعيف تصحيحًا للحديث، بل عملوا وأفتوا به، ويبقى ضعفه على حاله، ولكن صار عمل الناس تعضيدًا يشهد له.
وصفوة القول: الحديث الضعيف تبقى احتمال نسبته إلى الجناب النبوي الشريف، فإذا لم يوجد له معارض، أو ينسحب تحت أصلٍ شرعيٍّ، فقد اهتم به العلماء في الفضائل والأحكام.
ومما يدلل ما ذكرناه:
١ – اتفق أئمة المذاهب الأربعة على سنية البسملة عند الوضوء، بل رأى الحنابلة وجوبها، مع أن حديثها فيه ضعف بعينه.
٢ – اتفق الأئمة الأربعة كما هو منصوص في كتبهم على استحباب إحياء ليلتي العيد بحديث: “مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ”، مع أنه حديث ضعيف.
٣ – اتفق الأئمة الأربعة على استحباب الغسل لمن غسَّل ميتًا لحديث: “من غسَّل ميتًا فليغتسل”، مع أنه حديث ضعيف باتفاق كما نقله النووي وغيره.
فمن رأى أن الفقهاء جميعًا خالفوا الصواب في ذلك لاعتمادهم على حديث ضعيف؛ فقد خرج على السلف في أفهماهم، وابتدع ما لم يقله أحد من قبله، ومن أنكر استدلالهم بهذا فقد خرج عن العلم وطريقة الفهم.
وقس على هذه المسائل عشرات، بل مئات، وبعدها سيظهر لك كيف كان أئمة الإسلام يتعاملون مع الحديث الضعيف، فيا ليت الذين يتكلمون في الأحكام الشرعية وينالون من فقهاء الأمة يدركون هذه المعاني، حتى لا تَزِلَّ أقدامهم في فهم الشريعة ومقاصدها، والله أعلم.
د / إبراهيم شعبان المرشدى