قَانُونُ الأُسْرَةِ بَيْنَ الإِصْلَاحِ وَ التَّفْكِيك
adminaswan
14 مايو، 2026
بناء الأسرة
9 زيارة

قَانُونُ الأُسْرَةِ بَيْنَ الإِصْلَاحِ وَ التَّفْكِيك :
أَمَّا بَعْدُ ،،،
نِدَاءٌ لِحِفْظِ البَيْتِ المِصْرِيِّ وَهُوِيَّتِهِ
في الوقتِ الذي فُتِحَ فيه بابُ النِّقاشِ حولَ قانونِ الأُسْرَةِ الجديدِ في مصر، صار لِزامًا على كلِّ غَيورٍ على دِينِهِ ومجتمعِهِ وأُسرتِهِ أن يُدليَ بصوتِهِ، وأن يُشاركَ في التوعيةِ والنِّقاشِ؛
لأنَّ القضيَّةَ ليست مجرَّدَ موادَّ قانونيَّةٍ تُكتَبُ في الأوراق، بل هي إعادةُ تشكيلٍ لِبِنيةِ المجتمعِ والأسرةِ والعلاقةِ بين الرجلِ والمرأةِ والأبناءِ.
إنَّ بعضَ المقترحاتِ المطروحةِ اليومَ لا تُنذرُ بخلافٍ قانونيٍّ فحسب، بل تُنذرُ بتحوُّلٍ اجتماعيٍّ خطيرٍ قد يفتحُ أبوابَ النِّزاعاتِ والتفكُّكِ والعزوفِ عن الزواجِ، ويُنقلُ إلينا النموذجَ الغربيَّ الذي تآكلتْ فيه الأسرةُ حتى صار الفردُ يعيشُ وحيدًا بلا سَكَنٍ ولا رَحِمٍ ولا استقرار.
ولذلك فإنَّ من الواجبِ
أن تُناقَشَ هذه الموادُّ بعقلٍ وعدلٍ ووعيٍ، بعيدًا عن روحِ الانتقامِ أو الصراعِ بين الرجلِ والمرأةِ، فالإسلامُ لم يأتِ ليُقيمَ حربًا بين الجنسين، بل جاءَ ليبنيَ أُمَّةً تقومُ على المودَّةِ والرَّحمةِ والتكاملِ.
✦ اللَّغَمُ الأَوَّلُ: إِسْقَاطُ الوِلَايَةِ وَالتَّطْبِيعُ مَعَ الزَّوَاجِ غَيْرِ المُنْضَبِط ✦
من أخطرِ ما يُطرَحُ في بعضِ المقترحاتِ: السَّماحُ للفتاةِ بأن تُزوِّجَ نفسَها دونَ وليٍّ.
وهذا الأمرُ ــ إنْ طُبِّقَ ــ سيفتحُ أبوابًا واسعةً للفوضى الاجتماعيةِ والعاطفيةِ، خاصَّةً بين فئاتٍ صغيرةِ السِّنِّ لم تكتملْ خبرتُها ولا نضجُها.
فالولايةُ في حقيقتِها ليستْ إهانةً للمرأةِ كما يُصوِّرُ البعض، بل هي حمايةٌ لها من الاستغلالِ العاطفيِّ والاندفاعِ المؤقَّتِ، وصيانةٌ لحقوقِها ومستقبلِها وكرامتِها.
وقد شرعَ الإسلامُ الوليَّ ليكونَ سندًا للمرأةِ لا سيفًا عليها، ولِذا فإنَّ معالجةَ حالاتِ الوليِّ الظالمِ أو العاضلِ تكونُ عبرَ نقلِ الولايةِ شرعًا، لا بإسقاطِ نظامِ الولايةِ كاملًا عن المجتمعِ كلِّه.
إنَّ تحويلَ الزواجِ إلى قرارٍ فرديٍّ منفلتٍ عن الأسرةِ والضوابطِ لن يصنعَ حريةً، بل سيُنتجُ أزماتٍ وقطيعةَ أرحامٍ وضياعَ أجيالٍ كاملة.
✦ اللَّغَمُ الثَّانِي : صِنَاعَةُ أَيْتَامِ الطَّلَاق ✦
من أخطرِ ما تُعانيه المجتمعاتُ الحديثةُ: تحويلُ الطلاقِ إلى معركةِ انتقامٍ، يدفعُ ثمنَها الأبناءُ.
فالأبُ بعد الطلاقِ لا ينبغي أن يتحوَّلَ إلى مجرَّدِ ممولٍ ماليٍّ يُدفَعُ إليه فاتورةُ النفقاتِ ثم يُقصَى عن تربيةِ أولادِه وتوجيهِهم.
إنَّ الطفلَ يحتاجُ إلى أمٍّ ترعاه، كما يحتاجُ إلى أبٍ يُربِّيه ويُقوِّمُه ويزرعُ فيه معاني الرجولةِ والانضباطِ والانتماءِ.
وليس من العدلِ أن تُبنى القوانينُ على روحِ العقوبةِ والتشفي، فتُختزلَ علاقةُ الأبِ بولدِه في ساعاتٍ محدودةٍ أشبهَ بالزيارةِ العقابيَّة.
ففي الشريعةِ يبقى الأبُ وليًّا مسؤولًا، وتبقى الأمُّ حاضنةً كريمةً، أمَّا تحويلُ أحدِ الطرفينِ إلى منتصرٍ والآخرِ إلى مهزومٍ فلن يُنتجَ إلا جيلًا مكسورًا نفسيًّا واجتماعيًّا.
كما أنَّ إلزامَ الأبِ بتحمُّلِ النفقاتِ أمرٌ عادلٌ وواجبٌ شرعًا، لكن في المقابلِ يجبُ ألَّا يُحرَمَ من حقِّ التربيةِ والرعايةِ والمشاركةِ الحقيقيةِ في حياةِ أبنائِه.
✦ اللَّغَمُ الثَّالِثُ : تَحْوِيلُ الأُسْرَةِ إِلَى سَاحَةِ صِرَاع ✦
إنَّ بعضَ الخطاباتِ المعاصرةِ تُغذِّي روحَ العداءِ بين الرجلِ والمرأةِ، حتى صارَ الزواجُ عند البعضِ مشروعَ خوفٍ لا مشروعَ سكينة.
وهذا أخطرُ ما يُهدِّدُ المجتمعاتِ؛ لأنَّ الأسرةَ لا تقومُ بالقوانينِ وحدَها، بل تقومُ بالمودَّةِ والرحمةِ والتسامحِ والتغافلِ.
ولذلك فإنَّ أيَّ مؤسساتٍ أو منصاتٍ إعلاميةٍ تُؤجِّجُ الكراهيةَ بين الجنسينِ وتُحوِّلُ العلاقةَ الطبيعيةَ إلى معركةِ نفوذٍ وانتقامٍ، فإنها تُساهمُ في تعميقِ الأزمةِ لا حلِّها.
كما أنَّ تحويلَ المجتمعِ إلى معسكرَيْنِ:
رجالٍ ضدَّ نساءٍ أو نساءٍ ضدَّ رجالٍ، هو بابٌ من أبوابِ الخرابِ الاجتماعيِّ والنفسيِّ.
فالإسلامُ لا يعرفُ “النسويةَ المتطرفةَ” ولا “الذكوريةَ المتوحشةَ”، بل يعرفُ العدالةَ والتكاملَ والرحمة.
✦ اللَّغَمُ الرَّابِعُ : تَقْنِينُ الزَّوَاجِ المُؤَقَّتِ بِصُورَةٍ جَدِيدَة ✦
ومن الموادِّ المثيرةِ للجدلِ: إعطاءُ الزوجةِ حقَّ طلبِ فسخِ الزواجِ خلالَ ستةِ أشهرٍ لأسبابٍ فضفاضةٍ غيرِ منضبطة.
وهذا يفتحُ بابًا واسعًا لهدمِ البيوتِ في أكثرِ مراحلِ الزواجِ حساسيَّةً، وهي المرحلةُ التي يحتاجُ فيها الزوجانِ إلى التكيُّفِ والصبرِ والتفاهمِ.
كما أنَّ صياغةَ الأسبابِ بصورةٍ عامةٍ وغيرِ محددةٍ يجعلُ البابَ مفتوحًا للنزاعِ والتلاعبِ وسوءِ الاستعمال.
والعدلُ يقتضي أن تكونَ الأحكامُ منضبطةً بمعاييرَ واضحةٍ تُفرِّقُ بين الضررِ الحقيقيِّ وبين الاختلافاتِ الطبيعيةِ التي تقعُ بين البشرِ جميعًا.
فالأسرةُ لا تُبنى بالكيدِ ولا تُحفَظُ بالانتقامِ، وإنما تُبنى بالحكمةِ والعدلِ والإصلاح.
✦ اللَّغَمُ الخَامِسُ : تَعْطِيلُ مَا أَبَاحَهُ الشَّرْع ✦
ومن القضايا المطروحةِ كذلك: جعلُ التعددِ متوقفًا على إذنِ الزوجةِ الأولى.
وهذا ــ عمليًّا ــ يؤدِّي إلى تعطيلِ الأمرِ بالكليةِ، مع أنَّ الشريعةَ لم تجعلْ هذا الشرطَ مانعًا أصلًا، بل جعلتِ الضابطَ الحقيقيَّ هو العدلُ والقدرةُ وتحملُ المسؤوليةِ.
والتعددُ في الإسلامِ ليس فوضى ولا عبثًا، وليس فرضًا على كلِّ رجلٍ، لكنه بابٌ أباحهُ اللهُ لحِكَمٍ اجتماعيةٍ وإنسانيةٍ متعددةٍ.
ومنعُهُ بالقانونِ قد يدفعُ بعضَ الناسِ إلى العلاقاتِ السريةِ أو الزواجِ غيرِ الموثَّقِ، فتضيعُ الحقوقُ وتكثرُ المشكلاتُ.
والأصلُ أن تُناقَشَ هذه القضايا بعقلٍ شرعيٍّ واجتماعيٍّ متوازنٍ، لا بروحِ التصادمِ أو محاربةِ أحكامِ الدين.
✦ اللَّغَمُ السَّادِسُ : تَجْمِيدُ سِنِّ الزَّوَاجِ دُونَ مُرَاعَاةِ اخْتِلَافِ البِيئَات ✦
إنَّ تحديدَ سنِّ الزواجِ بثماني عشرةَ سنةً بصورةٍ جامدةٍ قد لا يُناسبُ جميعَ البيئاتِ والأحوالِ داخلَ مجتمعٍ واسعٍ ومتنوِّعٍ كمصر.
فالناسُ يختلفونَ في النضجِ والظروفِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ بين القرى والمدنِ، وبين البيئاتِ المختلفةِ.
ولذلك فإنَّ الأنسبَ هو وجودُ ضوابطَ تحفظُ الحقوقَ وتمنعُ الضررَ، مع تركِ مساحةٍ للقاضي للنظرِ في الحالاتِ الاستثنائيةِ التي تتحققُ فيها المصلحةُ وتنتفي فيها المفسدة.
✦ خِتَامًا ✦
إنَّ الأسرةَ ليستْ مجرَّدَ عقدٍ قانونيٍّ، بل هي أساسُ العمرانِ الإنسانيِّ كلِّه.
والزواجُ مِن أعظمِ نِعَمِ اللهِ على عبادِه، بهِ السَّكنُ والمودَّةُ والذريةُ والعفافُ واستمرارُ الحياةِ.
وقد أباحَ اللهُ النكاحَ وحرَّمَ السفاحَ؛ لأنَّ في الزواجِ حفظًا للأنسابِ وصيانةً للمجتمعِ ورحمةً للرجالِ والنساءِ والأطفالِ.
ولذلك فإنَّ المطلوبَ اليومَ ليس إشعالَ الحربِ بين الرجلِ والمرأةِ، بل إقامةُ قانونٍ عادلٍ يُحافظُ على الشريعةِ، ويضمنُ كرامةَ المرأةِ، وحقوقَ الرجلِ، واستقرارَ الأبناءِ، وهيبةَ الأسرةِ المصريةِ.
فلابدَّ من مشاركةِ العلماءِ والمفكرينَ والمربينَ والآباءِ والأمهاتِ في هذا الحوارِ المجتمعيِّ؛ حتى لا تتحوَّلَ القوانينُ إلى أدواتِ خصومةٍ وانتقامٍ، بل تكونُ سبيلًا للإصلاحِ والاستقرارِ وحمايةِ الأجيالِ القادمةِ.
حفظَ اللهُ مصرَ وأهلَها وأُسرَها، وألَّفَ بينَ قلوبِ أبنائِها، وجنَّبَها الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطن.
وليد عبدالله الشاذلي