ثلاثة أطوار… أم ثلاث حكايات مُفصّلة على المقاس!!!! أم هي محاولة متأخرة لإعادة كتابة سيرة أبو الحسن الأشعري بما يوافق أهواء المتأخرين ؟؟


ثلاثة أطوار… أم ثلاث حكايات مُفصّلة على المقاس!!!!

أم هي محاولة متأخرة لإعادة كتابة سيرة أبو الحسن الأشعري بما يوافق أهواء المتأخرين ؟؟

– كثيرًا ما يُردِّد بعض المعاصرين دعوى أن الإمام أبو الحسن الأشعري قد مرَّ بثلاثة أطوار، وأن آخرها كان رجوعه إلى مذهب(السلفية المعاصرة) في ترك التأويل وإثبات الصفات على ظاهرها، ويجعلون من كتاب الإبانة دليلهم الأبرز على هذه الدعوى.

وهذه المقولة – بهذا التصوير – فيها قدرٌ كبير من التدليس والخلط، وإن كانت تستند إلى أصلٍ صحيحٍ من حيث وجود أطوار في حياة الإمام، لكنها تُحرَّف في توصيفها وتفسيرها.

– أولًا: حقيقة الأطوار الثلاثة عند الإمام الأشعري

الثابت عند المحققين أن الإمام مرَّ بثلاث مراحل، لكن على النحو التالي:

١- طور النشأة والتربية

نشأ فيه على مذهب واصل بن عطاء وأئمة الاعتزال، وتتلمذ على أبو علي الجبائي، فكان معتزليًا خالصًا في هذه المرحلة.

٢- طور الانفصال عن الاعتزال

وفيه أعلن توبته من الاعتزال، وبدأ في نقض أصوله، لكنه لم ينتقل انتقالًا فجائيًا إلى مذهب أهل الحديث كما يتصوره البعض، بل سلك طريقًا وسطًا في تقرير العقائد، مستخدمًا أدوات علم الكلام في نصرة مذهب أهل السنة.

٣- طور الاستقرار على مذهب أهل السنة (الأشعري)

وفيه استقرت طريقته التي عُرفت باسمه، وهي إثبات الصفات مع التنزيه، مع استعمال التأويل عند الحاجة، وردّ التشبيه والتجسيم، وهو الطور الذي عليه جمهور أتباعه، والذي تمثله كتبه المتأخرة في الجملة.

ثانيًا: ماذا عن الإبانة؟

كتاب الإبانة عن أصول الديانة – كما في تحقيق الدكتورة فوقية حسين – لا يصح أن يُجعل دليلًا على أن الإمام انتهى إلى مذهب يطابق ما تروّج له السلفية المعاصرة، وذلك لعدة اعتبارات:

أن نصوص الإبانة نفسها لا تُسقط التأويل مطلقًا، بل فيها عبارات محتملة تُفهم في ضوء منهج التنزيه العام عند الإمام.

أن الكتاب فيه تأكيد على نفي التشبيه والتجسيم، وهو أصلٌ أشعريٌّ مستقر، لا ينسجم مع القراءة الحرفية المحضة.

أن نسبة بعض النسخ وزياداتها محل نقاش عند المحققين، مما يمنع من بناء دعوى عقدية كبيرة على فهمٍ مبتور أو نسخة غير محررة.

ثالثًا: أين موطن التدليس؟

التدليس لا يكون في أصل القول بالأطوار، بل في تفسير الطور الأخير، وذلك من جهتين:

تصويره على أنه رجوع إلى مذهب بلا تأويل مطلقًا، وهذا مخالف لما استقر عليه منهج الأشاعرة.

تجاهل أن الطور الأول هو طور الاعتزال الصريح، وليس مذهب أهل السنة أصلًا، فيُعاد ترتيب المراحل لتخدم نتيجة مُسبقة.

الخلاصة

الإمام أبو الحسن الأشعري لم ينتقل من الاعتزال إلى “السلفية المعاصرة”، بل انتقل من الاعتزال إلى مذهب أهل السنة كما قرره هو، وهو المذهب الذي توسط بين التعطيل والتجسيم، وأسس لمدرسة علمية كبرى استمرت عبر القرون.

أما جعل الإبانة شاهدًا على دعوى الرجوع عن التأويل بإطلاق، فليس إلا قراءة انتقائية، تُسقط على نصوص الإمام ما لم يقصده، وتُحمِّل تاريخه ما لا يحتمل.

د : عصام الطيب

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.