هل يوجد مصطلح اسمه [أرباب الأحوال]؟ وهل يمكن للذاكر أن يسمع ذكر الجمادات معه؟!
adminaswan
29 مارس، 2026
شبهات حول قضايا التصوف
13 زيارة

خادم الجناب النبوي الشريف
أ.د : محمد إبراهيم العشماوي
هل يوجد مصطلح اسمه [أرباب الأحوال]؟ وهل يمكن للذاكر أن يسمع ذكر الجمادات معه؟!
سيبقى الجهل وصمة عار في جبين صاحبه، وإن ظن أنه عالم، كما يظن المجنون أنه عاقل!
والحق أنني كل يوم أكتشف مدى الجهل الفاحش المركب الذي ابتلى الله به طائفة من الناس، سيطر الهوى على عقولهم، حتى غفلوا عما نطق به القرآن والسنة وأئمة الأمة، ووصفوه بالبدعة؛ لأنه جرى على لسان طائفة من طوائف المسلمين يرونها كافرة أو مبتدعة!
وسيبقى الجاهل في شقاء، ما دام مقيما على جهله، رافضا العلم والفهم!
أشار إليّ بعض أبنائنا في منشور ردَّ فيه ردا علميا موفقا، على شاب حَدَثِ غِرٍّ، ظن أنه قد حاز شيئا من العلم يمكن أن يستدرك به على العلماء الذين أفنوا أعمارهم في العلم، فزعم أن مصطلح [أرباب الأحوال] من ابتداعي واختراعي، وأنني بنيت عليه أن رجلا من أرباب الأحوال؛ كان يذكر الله، فسمع ذكر الجمادات معه، وأن هذا باطل!
وأنا لا ألتفت إلى الصبيان، ولكن دائما ما أغتنم جهلهم؛ فرصة لتعليمهم، على قدر ما يسمح به وقتي وجهدي؛ فالواجبات أكثر من الأوقات، وهؤلاء أهل فراغ ظاهر وباطن!
أما مصطلح [أرباب الأحوال]، فليس من اختراعي ولا ابتداعي، ولا اختراع الصوفية ولا ابتداعهم، بل استعمله ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم!
جاء في [جامع المسائل لابن تيمية]، ما نصه:
“(مسألة).
عن الأحوال وأرباب الأحوال، هل هم قسمان: أولياءُ لله تعالى، أحوالهم ربانية؛ وأولياء للشيطان، أحوالهم شيطانية؟ وإذا كان كذلك؛ فما الفرق بين هؤلاء وهؤلاء؟ فإن جماعةً من الناس انحرفوا، حتى أنكروا كراماتِ الأولياء، وآخرين اعتقدوا كلَّ خارقٍ دليل على الولاية الرحمانية؟.
أجاب الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية – أيده الله ووفَّقه لما يرتضيه بمنه وكرمِه -:
الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة من أعظم المسائل التي يحتاج إليها جميع الناس؛ فإنه من لم يُفرِّق بين الخوارق التي تكون آياتٍ وبراهينَ ومعجزاتٍ للأنبياء، وتكون مما يُكرِم الله به الأولياءَ؛ وبين الخوارق التي تكون للسحَرة والكُهَّانِ وغيرِهم من حزب الشيطان، وإلاّ اشتبه عليه الأنبياء وأتباعُهم أولياءُ الله المتقون؛ بالمنتسبين الكذابين وشبههم الكذابين الضالين.
ولهذا اضطربَ في هذا الأصل كثير من أهل النظر والكلام، في أصول الدين والعلوم الإلهية، ومن أهل العبادة والزهد والفقراء والصوفية ..” إلى آخر جوابه المطول .. فانظره هناك.
والشاهد أنه استعمل مصطلح الأحوال وأرباب الأحوال، وقسمهم إلى أرباب أحوال رحمانية، وأرباب أحوال شيطانية، وقد أفرد هذه المسألة بكتاب بديع سماه: [الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان]!
وقال في [مجموع الفتاوى]:
“فالأحوال الرحمانية، وكرامات أوليائه المتقين؛ يكون سببه الإيمان؛ فإن هذه حال أوليائه، قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:٦٢ – ٦٣]، وتكون نعمة لله على عبده المؤمن في دينه ودنياه، فتكون الحجة في الدين، والحاجة في الدنيا للمؤمنين، مثلما كانت معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين، مثل: البركة التي تحصل في الطعام والشراب، كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل: نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار، وشفاء المريض بالدعاء، ومثل: الأخبار الصادقة والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط.
وأما أصحاب الأحوال الشيطانية؛ فهم من جنس الكهان، يكذبون تارة، ويصدُقون أخرى، ولابد في أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:٢٢١ – ٢٢٢] الآيتين] ..” إلى آخر كلامه.
بل يلتمس ابن تيمية العذر لأرباب الأحوال الصادقين، كالشبلي؛ فإنه كان من أرباب الأحوال، الذين يقال لهم أيضا: (مجاذيب)!
قال في [مجموع الفتاوى]:
“.. وربما اتبعوا فيه – أي: في الذكر بالاسم المفرد (الله) – حال شيخ مغلوب فيه، مثلما يُروى عن الشِّبْلي؛ أنه كان يقول: “الله، الله”. فقيل له: لِمَ لا تقول: “لا إله إلا الله؟”. فقال: “أخاف أن أموت بين النفي والإثبات!”.
وهذه من زلات الشبلي التي تُغفر له، لصدق إيمانه، وقوة وَجْدِه، وغلبة الحال عليه؛ فإنه كان ربما يُجَنُّ – يعني: يُجذب – ويُذهب به إلى المارستان – المستشفى – ويَحلق لحيته!
وله أشياء من هذا النمط التي لا يجوز الاقتداء به فيها، وإن كان معذورا، أو مأجورا؛ فإن العبد لو أراد أن يقول : “لا إله إلا الله”، ومات قبل كمالها؛ لم يضره ذلك شيئا؛ إذ الأعمال بالنيات، بل يُكتب له ما نواه”. انتهى.
فانظر كيف لم يكفِّره ولم يبدِّعه، بل التمس له العذر، واعترف له بصدق الحال، وغلبته عليه، يعني حال الجذب أو السُّكْر، ولو ذَكر هذا الكلام غيرُ ابن تيمية كالشعراني – مثلا – لقالوا: انظروا إلى خرافات الصوفية، وهل يوجد شيء اسمه الجذب والمجاذيب؟!
وأما تلميذه ابن القيم؛ فقد استعمل مصطلحي المقام والحال، وفرَّق بينهما، وسلَّم لأهلهما، فقال في [مدارج السالكين]:
“ولأرباب السلوك – يعني: التصوف – اختلاف كثير، في عدد المقامات، وترتيبها، كل يصف منازل سيره، وحال سلوكه، ولهم اختلاف في بعض منازل السير، هل هي من قسم الأحوال؟
والفرق بينهما: أن المقامات كسبية، والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال، فكل من كان أصلح عملا؛ كان أعلى مقاما، وكل من كان أعلى مقاما؛ كان أعظم حالا..
والصحيح في هذا: أن الواردات والمنازلات؛ لها أسماء، باعتبار أحوالها، فتكون لوامع، وبوارق، ولوائح، عند أول ظهورها، وبُدُوِّها، كما يلمع البارق، ويلوح، عن بُعْد، فإذا نازلَتْه، وباشرها؛ فهي أحوال، فإذا تمكنت منه، وثبتت له، من غير انتقال؛ فهي مقامات، وهي لوامع، ولوائح، في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقا هو بعينه الحال، والذي كان حالا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له، باعتبار تعلقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه.
وقد ينسلخ السالك من مقامه؛ كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود ..” إلى آخر كلامه النفيس المحقق في ذلك، الذي لو صدر عن صوفي؛ لقالوا له: ما هذه الهبل والخبل؟! وأين الدليل على هذا الكلام من القرآن والسنة وأحوال السلف الصالح؟!
وأما سماع تسبيح الجمادات، وذكرها مع الذاكر؛ فهو منصوص القرآن، قال تعالى: “ولقد آتينا داود منا فضلا، يا جبال أوِّبي معه والطير”.
قال الحافظ ابن كثير، تلميذ ابن تيمية، في [تفسير القرآن العظيم]:
“يخبر – تعالى – عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والمُلك المتمكن، والجنود ذوي العَدد والعُدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات”. انتهى.
والشاهد: أن هذه معجزة لسيدنا داود، وكل ما كان معجزة لنبي؛ جاز أن يكون كرامة لولي، وقد سمع الصحابة – رضي الله عنهم – تسبيح الطعام والحصى، وهم ليسوا بأنبياء، بل أولياء!
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى”وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”:
“أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، “ولكن لا تفقهون تسبيحهم”، أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم.
وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في [صحيح البخاري] عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال” “كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل!”.
وفي حديث أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخذ في يده حَصَياتٍ، فَسُمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا يد أبي بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم أجمعين -، وهو حديث مشهور في [المسانيد]”. انتهى.
وبالجملة: فلعنة الله على الجهل والبلادة!
وبالله التوفيق.